تعريف بالشيخ د. جعفر شيخ إدريس

الدكتور جعفر شيخ إدريس من أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث الذين جمعوا بين الأصالة والمعاصرة. وبين الثبات والرسوخ في علوم العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية، والتمكن في اللغتين العربية والإنجليزية. يدعو إلى الأصالة في الدعوة إلى الإسلام على بصيرة واتباع، واعتزازٍ راسخ بالدين ومنهجه، ورفضٌ لتحريفه أو تفريغه من محتواه بدعاوى التجديد. كما يدعو لمعاصرةٌ واعية، لا تعني التنازل أو الذوبان، بل تعني وضع القيم الإسلامية في الأطر التي تقتضيها الحياة المعاصرة، والتمييز بين مقتضيات العصر وأهوائه. مقتضيات العصر التي لا تكون الأمة بغيرها أمة معاصرة قوية، مثل العلوم الطبيعية وما بني عليها من تقنية في شتى مجالات الحياة التعليمية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية، وما اقتضاه هذا من تطوير للنظم الإدارية.

تنقل الشيخ بين مسقط رأسه السودان وبريطانيا والمملكة العربية السعودية وأمريكا. بالإضافة لزيارته للكثير من بلدان العالم الإسلامي مشاركا في مؤتمرات علمية ومحاضرات إسلامية دعوية. يتميز بتواضعه الجم وإنصافه في حق الحكام والمحكومين والأكاديميين. وله أثر بارز وتلاميذ في كل أنحاء العالم.

الميلاد و النشأة والتعليم

وُلد الشيخ جعفر شيخ إدريس محمد صالح بابكر عبد الرحمن بلل عام 1931 ميلادي بمدينة بورتسودان شرق السودان، وينحدر والداه من منطقة نوري، وتحديدًا من بلدة السقاي الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل مقابل مدينة كريمة. وتنتمي أسرته إلى قبائل الشايقية، التي تُعدّ من أكبر وأشهر القبائل العربية في السودان، وينسب إليها الشيخ جعفر.

مدينة بورتسودان

بورتسودان أو تسهيلاً بورسودان، مدينة أسستها الإدارة البريطانية سنة 1905 لتكون ميناءً بحرياً للسودان وهذا الاسم باللغة الانجليزية ويعني بالعربية ميناء السودان. 

وحين ولد الشيخ جعفر سنة 1931 كان السودان لا يزال تحت الحكم البريطاني الذي استمر حتى الأول من يناير 1956م. وكانت بورتسودان مدينة صغيرة لكن متطورة مقارنة بمناطق أخرى في السودان، إذ كانت مركزًا تجاريًا مهمًا لتصدير واستيراد البضائع عبر البحر الأحمر، بعد أن حلت محل ميناء سواكن التاريخي. أما عن سكان المدينة فقد كانت بورسودان مدينة متنوعة السكان من قبائل الهدندوة ذوي الأصول النوبية، وقبائل البني عامر والرشايدة، و عمال في الميناء، و تجار محليين، ومهاجرين من داخل السودان إلى جانب جاليات من اليمن وحضرموت والهند، وجنسيات أخرى مثل الترك واليونان. كما كانت المدينة معبرًا هامًا للحجاج القادمين من وسط وغرب أفريقيا في طريقهم إلى الحج، فكانت المدينة نقطة تلاقٍ بين الثقافات العربية والأفريقية والأجنبية. 

وبالإضافة لكون بورسودان مركزاً تجاريا فقد كانت كذلك مركزاً علمياً بها العديد من المدارس وخلاوي القرآن الكريم، والعلماء ومن أشهر علمائها الشيخ أبوطاهر السواكني. وكانت نقطة التقاء العلماء العابرين إلى بلاد الحرمين مثل علماء شنقيط ومالي، يذكر الشيخ جعفر من هؤلاء العلماء العلامة المحقق إسماعيل بن محمد الأنصاري، فهو من جملة من أقام ببورتسودان مدة صحبه فيها الشيخ جعفر.

التعليم الأولي والمتوسط:

للخلفية التي ذكرناها عن مدينة بورسودان أثر كبير في نشأة الشيخ وتعليمه، فكانت بداية التعليم في خلاوى القرآن الكريم، ولكن حين كان الشيخ في السادسة من عمره تقريباً أُصيب بحادث أضرّ بقدمه، مما أعاقه عن المشي قرابة ثلاث سنوات. كانت تلك التجربة المؤلمة سببًا في تأخر التحاقه بالتعليم النظامي، لكنه يعتبرها من نِعَم الله عليه، إذ حفزته على الجد والمثابرة. جمع في صغره بين الدراسة النظامية وحفظ القرآن الكريم بالخلوة، وتعلّم العلوم الشرعية على يد المشائخ بالمدينة. وحين كان في الحادية عشر من عمره تأثر ببعض أقاربه من جماعة أنصار السنة المحمدية، مما أكسبه في تلك السن الصغيرة تعظيم الكتاب الكريم والسنَّة النبوية والنفور من البدع والمحدثات، مع حبِّ العلم، ولزوم ما تهيأ له من مجالسه، ثم الالتفات إلى كتب الإمامين ابن القيم وابن تيمية.

أما عن التعليم النظامي فقد التحق به الشيخ متأخراً نظراً لمرضه، فأقبل على التعليم بنهم شديد وكان من الأوائل المتقدمين على أقرانهم. فاجتاز المرحلة الأولية بنجاح باهر جعله من أوائل المقبولين في المرحلة الوسطى، والتي أيضاً كان من أوائلها مما أهله لأن يُختار لدخول أهم مدرسة ثانوية بالسودان في ذلك الوقت وهي مدرسة حنتوب.

رحلة الدراسة الثانوية 

في تلك الحقبة الزمنية لم يكن بالسودان سوى ثلاث مدارس ثانوية هي حنتوب، و وادي سيدنا، و خورطقًّت.  وكلها مدارس أسستها الإدارة البريطانية.  وجميعها كانت تعتمد نظام  داخليات صارم  أشبه بالمدارس العسكرية، فكل مدرسة بها سكن للطلاب ملحق بها، وتعتمد نظام  اليوم الدراسي من الصباح حتى المساء، مع تركيز كبير على النشاطات الرياضية والثقافية والأكاديمية. يقيم الطلاب بالمدرسة ولا يعودون لذويهم إلا بالإجازات. 

ولم يكن كل من ينتهي من المرحلة الدراسية الوسطى يتسنى له الالتحاق بالثانوية، نظراً لأن القبول بها محدود، فكانت لا يلتحق بالثانوية إلا المتفوقين والنابغين. ونظرا لبروز الشيخ جعفر وتفوقه على أقرانه، فقد قُبل من منطقة بورسودان للالتحاق بمدرسة حنتوب الثانوية ذات السمعة الأكاديمية العالية. تأسست مدرسة حنتوب عام 1946 في منطقة حنتوب شرق مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، على ضفاف النيل الأزرق في عام 1950 ومن المشهور عن المدرسة أنه درس بها رموز وقيادات أثرت على الإرث الفكري والثقافي والسياسي في السودان ومن ضمنهم الشيخ جعفر شيخ إدريس. 

في تلك الفترة كان الفكر الشيوعي الماركسي مؤثراً على كل العالم بما في ذلك العالمين العربي والإسلامي. وجد الشيخ نفسه بين طلاب لهم توجهات مختلفة، تأثر بعضهم بالفكر الإلحادي، وبعضهم بالنظرية الاشتراكية، و تيارات لا تخلو من نزعات شرقية أو غربية. وكان من البدهي في حق من نشأ نشأته أن ينحاز إلى التيار الإسلامي الذي كان في صراع فكري مع التوجهات الشيوعية الإلحادية والاشتراكية. فانضم الطالب جعفر إلى حركة إسلامية ناشئة هي حركة التحرير الإسلامي التي تأسست حركة في مارس 1949 وكان الطالب جعفرعضواً نشطاً في الحركة يقيم المحاضرات ويُلقي الدروس  مواجهة المد الشيوعي في تلك الفترة.

ثم تغير اسم حركة التحرير الإسلامي فيما بعد إلى جماعة الإخوان المسلمين.  وفي ذلك الوقت لم تكن الحركة على صلة تنظيمية بحركة الإخوان المصرية  ولكنها كانت تتابع أدبياتها وتقرأ لقادتها.

مرحلة الدراسة الجامعية والتعليم العالي 

التحق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ثم تركها ليذهب للدراسة بمصر، ولم يعجبه الحال هناك فعاد إلى جامعة الخرطوم ليدرس فلسفة العلوم والاقتصاد.

في جامعة الخرطوم كان الطالب جعفر شيخ إدريس ناشطاً في الحركة الإسلامية، وأحد أبرز القيادات الطلابية ثم أصبح رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم. وعاصر أول حكم عسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود، الذي وصل إلى السلطة في 17 نوفمبر 1958 .  وهو صاحب أول مذكرة للحكم العسكري تطالب فيها الجيش بالعودة إلى ثكناته.

حصل على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من جامعة الخرطوم في تخصص الفلسفة، وتخصص ثانوي اقتصاد. (1961م).  ثم عًين معيدا بالجامعة وسجل لدراسة الماجستير، لكن الجامعة ابتعثته في العام التالي للدراسة بجامعة لندن.

بعد سنتين سقط نظام عبود فترك الدراسة واستقال من الجامعة ليشارك في العمل السياسي الإسلامي. وكان مرشح جيهة الميثاق الإسلامي بمدينة بورتسودان.  عاد للجامعة مرة أخرى عام 67

حصل على درجة الدكتوراه من جامعة الخرطوم في تخصص فلسفة العلوم عام 1970م، وكانت الدراسة الفعليَّة في جامعة لندن وذلك حسب الاتفاقية بين الجامعتين في ذلك الوقت. وبعد عودته واصل عمله بقسم الفلسفة، جامعة الخرطوم.

اضطر الدكتور جعفر للخروج من السودان سنة 1973م إبان حكم الرئيس جعفر نميري، فهاجر متخفياً عبر غرب السودان إلى ليبيا ومنها إلى لندن ثم السعودية حيث عمل بجامعة الرياض (الملك سعود حالياً) ومنها إلى جامعة الإمام التي ظل يعمل بها لحين تقاعده.

العمل والتدريس 

·         قسم الفلسفة, جامعة الخرطوم.  1967 – 1973

·         قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الرياض (الملك سعود حالياً )

·         مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

·         قسم الدعوة، كلية الدعوة والإعلام، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

·         قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

·         وكان يدرس طلاب الدراسات العليا بالجامعة مواد العقيدة والمذاهب المعاصرة كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه

·         مدير قسم البحث بمعهد العلوم الإسلامية والعربية في أمريكا، التابع لجامعة الإمام ثم عمل مستشاراً للمعهد.

·         تقاعد من جامعة الإمام سنة 1997م

·         أسس الجامعة الأمريكية المفتوحة مع بعض الناشطين، ثم أصبح مديراً للهيئة التأسيسية للجامعة.

·         عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات والهيئات الإسلامية في أنحاء العالم بالإضافة إلى كونه عضو مجلس إدارة في العديد منها.

النشاط العام والمؤتمرات 

·         ألقى دروس ومحاضرات وشارك ندوات ومؤتمرات في كثير من الجامعات والمراكز الإسلامية والمساجد ومراكز البحوث في كثير من بلدان العالم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأستراليا وأمريكا الشمالية ودول الكاريبي وأمريكا اللاتينية.

·         شارك ببحوث قيمة في عدد كبير من المؤتمرات الإسلامية والعالمية

·         شارك في كثير من البرامج التلفازية والإذاعية في عدد من الدول

·         عضو في كثير من اللجان الأكاديمية والثقافية والسياسية.

·         عضو باتحاد طلاب جامعة الخرطوم لسنوات طويلة ثم رئيس لجنته التي قدمت أول مذكرة لحكم عبود تطالبه فيها برجوع الجيش إلى ثكناته.

·         صاحب حجة قوية في الكتابة والنقاش.

·         اهتدى وأسلم على يديه الكثير بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.

·         اشرف على عشرات الرسائل العلمية لدرجتي الدكتوراة والماجستير.

·         كتب مقالات كثيرة في الصحف السودانية كان من بينها باب أسبوعي في جريدة الميثاق الإسلامي بعنوان جنة الشوك ومقالات في مجلات إسلامية وأكاديمية باللغتين العربية والإنجليزية.

·         كان يكتب زاوية شهرية بعنوان: الإسلام لعصرنا. بمجلة البيان إلى أن أقعده المرض سنة 2011م.

الكتب والبحوث 

من مؤلفاته باللغة العربية:

الفيزياء ووجود الخالق.

نظرات في منهج العمل الإسلامي

الإسلام لعصرنا (أربعة كتب)

صراع الحضارات بين عولمة غربية وبعث إسلامي

مناهج التفكير الموصلة للحقائق الشرعية والكونية

وباللغة الإنجليزية:

The Pillars of Faith

Islamization: Its Philosophy & Methodology

The Attributes of God

–   بالإضافة إلى عدد قيم من البحوث باللغتين العربية والإنجليزية، لعل من أهمها بحوثه في “الرد على أوهام المادية الجدلية”. وهو أوَّل من كتب في موضوع أسلمة العلوم، حيث كتب رسالتين صغيرتين حول الموضوع تُعدُّ أساساً لكل من كتب بعده.  كما له بحوث في الرد على الفكر الغربي والمذاهب المعاصرة.  وله بحوث عن التنظيمات الإسلامية المعاصرة.

–   تتميز أكثر كتابات الشيخ جعفر بالإجمال ووضع القواعد العامَّة، ولذا جاءت جُلُّها في شكل رسائل صغيرة أو بحوث. وكل رسالة منها من الممكن أن تكون كتاباً أو مشروعاً لعدَّة كتب.

الكثير من مقالات ومؤلفات الشيخ جعفر موجودة على موقعه بالإنترنت www.jaafaridris.com

مرض الشيخ:

في سنة 2011 وأثناء زيارته للرياض بالمملكة العربية السعودية، أصيب الشيخ جعفر بجلطة في الدماغ أثرت كثيراً على صحته، لم يتمكن بعدها من أنشطته المعتادة من قراءة وكتابة وإلقاء محاضرات والمشاركة في مؤتمرات كما كان سابقاً.