في وداع المفكر السوداني الكبير جعفر شيخ إدريس - بقلم جمال سلطان
2025-07-20
200

في وداع المفكر السوداني الكبير جعفر شيخ إدريس

كتب جمال سلطان

قبل حوالي ثلاثين عاما، في منتصف التسعينات الماضية، كنت مدعوا للمشاركة في ندوة حول "الفكر الإسلامي ومشكلاته"، اختار لها منظموها أن تكون في فندق عتيق في منطقة ريفية قريبة من مدينة برمنجهام البريطانية، عدد غرف الفندق قليلة نسبيا، فكانوا يخصصون غرفة لكل ضيفين، وجدت ضيفي في الغرفة شيخا سودانيا كبيرا، ملأ البياض لحيته، لم أكن أعرفه، قال لي أن اسمه "جعفر شيخ إدريس"، وأنه أستاذ للثقافة الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالسعودية، تبادلت معه حديثا قصيرا، لاحظت أنه ودود للغاية، ويحدثك وهو يبتسم، لا تفارق الابتسامة وجهه أيا كان موضوع الحديث، ثم بدأ كل منا يأخذ ركنا من الغرفة ويخلو لنفسه ليراجع ورقته التي سيقدمها في الندوة صباح اليوم التالي، ويضفي عليها التعديلات الأخيرة، وجدت الشيخ الكبير في ركن من الغرفة يخرج جهازا صغيرا من حقيبته "لاب توب"، فتحه وبدأ يكتب عليه، وأنا الشاب الذي لم يغادر الثلاثينات من عمره وقتها، يفتح الكشكول الورقي والقلم الجاف "الفرنساوي" ليبدأ الكتابة والتصحيح، استفزتني المقارنة، فناقشته : ماذا تفعل؟ قال لي أكتب ورقتي التي سأقدمها، قلت له : كيف تكتب على الجهاز وأنت تفكر في الوقت نفسه؟ ثم أردفت استدلالا بدافع الغيظ "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"، زادت ابتسامته وقال : هي مسألة تعود، واستخدام الأصابع للكتابة على الجهاز تتحول مع الوقت إلى سليقة لا تحتاج إلى تفكير، ولا تعطل نشاط العقل في التفكير.

في هذه الليلة قررت أن أول شيء أفعله عندما أعود إلى مصر أن أشتري كومبيوتر، وأقاطع الكشاكيل والأقلام الجاف "الفرنساوي" الشهيرة في جيلنا، لدرجة أني اشتريت الكومبيوتر وأنا لا أعرف كيف أفتحه أو أغلقه، ثم استعنت بصديق يدربني عليه.

الصدمة التقنية التي أحدثها لي المفكر السوداني الكبير، كانت مفتتح تعرفي عليه، وتواصلي معه بعد ذلك، في ندوات ولقاءات عديدة، في أمريكا حيث عمل لفترة وكان نشطا في مؤتمرات الشباب الإسلامي أو في السعودية حيث كان يقيم فترات طويلة بحكم عمله في الجامعة، ومشاركاته في موسم "الجنادرية" الثقافي، وأذكر أني عندما قابلته في الجنادرية وحدته يحظى باحترام كبير من الروائي السوداني الكبير "الطيب صالح"، على الرغم من اختلاف الاثنين في البنية الثقافية وفي الأيديولوجيا إن صح التعبير، وكانت تدور بينهما حوارات شخصية طويلة، حضرت بنفسي بعضها، ولا تفارق الابتسامة فيها وجهه أيضا، فهي طبع فيه.

جعفر شيخ إدريس ، أكاديمي بالأساس، يحمل الدكتوراة في الفلسفة، وهو يتكلم الإنجليزية بطلاقة كأبنائها، وكان أستاذا جامعيا في أكثر من مكان، وأشرف على رسائل جامعية عديدة في مجال الثقافة الإسلامية، وناقش رسائل أخرى، وله مقالات كثيرة منثورة في مجلات وصحف عربية وسودانية، غير أنه لم يكن مهتما بتأليف الكتب، كانت بصمته في من حوله من طلابه أو محبيه أو العارفين لقدره، ولا يوجد أحد اقترب منه إلا ونهل من ثقافته وعمق تفكيره وألمعيته، وهذه ظاهرة متكررة عند بعض المفكرين الكبار، كتبه الحقيقية هم طلبته ومريدوه والأجيال التي صبغها بفكره وعطائه وليست الكتب النمطية المطبوعة، وكان لطفه الشديد، ووجهه الطفولي المضيء الذي لا تفارقه الابتسامة يفتحان له القلوب، وبعض من دخلوا في الإسلام على يديه من الشباب الغربي كانت البداية هو مفتاح القلوب قبل مفتاح الفكر والكلمة والمنطق.

هذا المفكر السوداني الكبير هو فيلسوف حقيقي، وصانع أفكار، وملهم في بعض لمحاته، ومشكلته التي قللت من انتشاره في الفضاء الثقافي العربي أنه فضاء محتكر ـ مؤسسياـ من قبل تيارات يسارية أو قومية، وشلل أيديولوجية لها قوائم ثابته ومغلقة على شخصيات بعينها، تجدهم في أي ندوة أو مؤتمر أو احتفالية في أي عاصمة عربية، من الشام إلى المغرب، وهو كان مصنفا كمفكر إسلامي، فكان مقصيا عن هذا الفضاء الثقافي العربي، كما أن الإسلاميين بحكم عزوفهم المعروف عن الثقافة والإعلام ـ دخلوه متأخرين جدا ـ، واهتمامهم أكثر بمجال العلوم الشرعية أو الدعوة بمفهومها الديني المباشر، لم يقوموا بأمر هذا الفيلسوف الكبير، فضاع بين الجهتين.

خواطر عجلى، هاجت في نفسي، وحركت بعضا من ذاكرتي التي تزداد ضعفا مع المشيب، عندما بلغني اليوم خبر وفاته في العاصمة السعودية "الرياض"، بعد معاناة طويلة مع المرض والشيخوخة، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء عما أضافه لي شخصيا من وعي وفكر ونظرات في الحياة، وما أضافه للآلاف من الشباب الإسلامي في بلاد عربية وأوربية وأمريكية، كثير منهم يتبوؤون اليوم مناصب علمية وأكاديمية وثقافية رفيعة في بلدانهم.