موت العلماء تبصرة وذكرى
2025-07-25
173

موت العلماء تبصرة وذكرى

كلمات في وداع العالم الرباني الشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس رحمه الله
بقلم صديق المجتبى

          ١

لم تكن أجهزة الإعلام بقنواتها الفضائية ووسائطها الاجتماعية والثقافية 

التي تغمرها موجات وطوفانات طامية من الأحداث والوقائع اليومية فيها الغث والسمين وفيها الصالح والطالح وما أكثره وما أعتى موجاته في عصرنا هذا. لم تكن هذه الأجهزة اللاهية والمَلْهِيُّ منها ألّا تهتم بسير الأعلام ومناقبهم إلا بعد موتهم ، كأن العالِمَ يعيش وبيننا وبينه حجاب المعاصرة وإذا مات سقط ذلك الحجاب إلى حين عند العامة والجهلاء ليروا وسعَ بصائرهم بعض مناقبه ، وعندها يبدأ الحديث الحزين عن فقده وتطفح في سطح الأحداث مناقبه وآثاره ولكن في عجالة حتى تطوي موجات الأحداث خبر وفاته، وينصرف الناس إلى شأن آخر  ويطوي ذكراه النسيان، وما علموا أن  أن موت العالم مصيبة كبرى لا يستشعر خطرها إلى أهل العلم ،قال ابن مسعود رضي الله عنه: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار"

                 ٢

 في حياة العلماء حياةٌ للعلم والمعرفة وعنفوانٌ للعصر وقوته وازدهاره ، لأن العصر ليس حيزاً زمانياً فقط وإنما هو محتوى حقبة يشكل العلماء قلبها النابض وحياتها العليا، والعصور التي ليس فيها علماء ربانيون في شتى المجالات تنذوي وتضمحل وتصبح من العصور البائدة، والعلماء هم بناة الحضارات القوية المؤثرة في 

الثقافة الإنسانية. 

                 ٣

 قال  الإمام أحمد بن حنبل في كتابه في الرد على الزنادقة، مادحا أهل العلم وأئمة الهدى بهذه الصفات التي هم أهلها وأحق بها.. (فأهل العلم العاملون والعلماء المخلصون هم حقا مصابيحُ الدجى ونجومُ الهدى الذين بهم يُقتدى، هم ربان سفن النجاة، وهم الأمان من عذاب الله، هم حماة الدين وناشرو الفضيلة، يقمعون أصحاب الهوى وأهل الغوايةِ والضالين، ويرشدون التائهين والحائرين وينيرون الدروب للسالكين، بهم تصفو الحياة، وتزكو النفوس.)  وهنا يتجلى لنا خطورة مقولة "المعاصرة حجاب" خاصة عندما تصرفنا عنهم مشاغل الحياة الدنيا وتضع بيننا وبينهم موبقاً في العصر وتحول بيننا وبين معاصرتهم ، لكنهم يروننا ويتحسرون على غفلتنا وصدوفنا عن مناهل العلم المشرعة أمامنا ونحن عنها عمون. إن الماصرة    الحقيقية ليست هي مجرد الوجود الفيزيائي للإنسان في عصره كأي كائن ينعم الله عليه بنعمة العقل والعلم وكأنه لم يكن من ولد آدم الذي علمه الله علم الأسماء والبيان ساعة خلقه،  إنما أعني هنا معاصرة الفكر وومؤانسة العقل للعقل واقتناص العلم من غياهب الكون. وكم من قوم اختاروا من عصرهم أهل الغواية والضلال ، وكم من قوم هداهم الله إلى معاصرة أهل العلم والذكر فأنجاهم الله من الخسران وقد ذكرت في ورقة قدمتها في قاعة الشارقة في الندوة الفكرية لهيئة الأعمال الفكرية عام ١٩٩٥م تحت شعار "دور الزمن في التنمية والعبادة" وكانت ورقتي بعنوان "الزمن المعرفي"  ذكرت فيها "أن العصر الذي أقسم به الله في سورة العصر ليس هو فقط الحين من الوقت هكذا بدون محتوى ليكون مجرد مؤشرٍ للحظة من الوقت أو تاريخ بلا وقائع تشير إلى فعل معرفي يميزه عما سواه من الحقب وليس هو فقط صلاة العصر التي عبادة مفروضة قد تؤدى بدون علم وفقه كما يقول أهل العلم وإنما هو زمان عمل الصالحات الذي يتحقق به المعنى الحقيقي للإيمان، وهو زمان العلم الرباني الذي يثريه أهل العلم ، ومن لم يدرك عصر أهل العلم وعمل الصالحات باء بخسران عظيم في الدنيا والآخرة وخرج من الفئة التي استثناها الله من خسارة العصر ، لأن القسم في قوله تعالى "والعصر" لا يكون جوابه إلا أمراً جللاً ، وهو  قوله تعالى "إن الإنسان لفي خسر" ولكنه استثنى أهل العصر الحقيقي وهو محتوى الزمن المعرفي المنجي من الخسران وأولهم "الذين آمنوا" أي جعل الإيمان أساس المعرفة الربانية والإيمان بدون عمل أقل درجة من المؤمنين العاملين "الذين عملوا الصالحات" وليس غير العلماء المؤمنين الذاكرين من يعمل الصالحات  وكم من عالم يحيا بين الناس ولا يحتفون به ولا ينهلون من علمه . وفي ذلك مصيبة لا يدركونها إلا بعد رحيله إذا انتبهوا لفقده ولكن هيهات...

                ٤

إن العلماء ثروة قومية وقوة استراتيجية حتى أصبحوا  في عصرنا هذا هدفاً عسكريا  في حروب الجيل الخامس  يغتالون في بيوتهم لأنهم  بالدرجة الهدف الأستراتيجي الأول لاغتيال الأمم وتجريدها من قواها العقلية في عصر  ما يسمى بصدام الحضارات أو بالأحرى صدام الثقافات التي تهدف إلى الإخواء الثقافي للأمم بالقوة العسكرية لتفوقهم فيها بعد أن فشلوا في ذلك بالقوة الناعمة في عصر الاستعمار التقليدي لضعف تأثير ثقافتهم على الدول الإسلامية التي حكموها. لذلك قاموا تصفية العلماء في العراق وفي سوريا واليمن وليبيا وفي سلسلة ابتزاز القذافي في حادثة الطائرة لوكوربي بدفع تعويضات ضخمة مروراً باطلاق سراح الممرضات البلغاريات اللاتي تسببن في موت مليون طفل ليبي ثم مقايضته بإعفائه من المحكمة الجنائية ورفع العقوبات بتسليمهم علماء برنامجه النووي ففعل فأعدموهم ولم يفوا بما وعدوا ثم صنعوا له ثورة بما بقي من قطيع من الطغام والجهلاء فأطاحوا به وقتلوه في قارعة الطريق أمام أعين شعبه. ونفس السناريو يجري تنفيذه في السودان

              ٤

موت العلماء في هذا العصر مصيبة أكبر من المجاعات والكوارث الطبيعية ولذلك احتفى بهم القرآن الكريم في قوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، وقال: {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ}،وقال أيضا: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب}؛ [الزمر: 9]. وقال لنبيه: {وقل رب زدني علما}.. والآيات في هذا الباب تطول..

 وقال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو الدرداء رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: [من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالِمَ ليستغفرُ له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورَّثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر] ، رواه احمد وأبو داود، والترمذي، وأصله في "الصحيحين". 

                 ٥

وقال الشاعر سابق البربري:

والعِلمُ يَجلُو العَمَى عن قلبِ صاحبِه * كما يُجلِّي سوادَ الظُّلمةِ القَمَرُ

لا ينفعُ الذِّكرُ قَلباً قَاسِياً أبدَاً * وهَل يَلِينُ لِقَولِ الوَاعِظِ الحَجَرُ

رحم الله الإمام الشافعي قال:

رَأَيتُ العِلمَ صاحِبُهُ كَريمٌ * وَلَو وَلَدَتهُ آباءٌ لِئامُ

لَيسَ يزالُ يَرفَعُهُ إِلى أَن * يُعَظِّمَ أَمرَهُ القَومُ الكِرامُ

وَيَتَّبِعونَهُ في كُلِّ حالٍ * كَراعي الضَأنِ تَتبَعُهُ السَوامُ

فَلَولا العِلمُ ما سُعِدَت نفوسٌ * وَلا عُرِفَ الحَلالُ وَلا الحَرامُ

وقال أيضاً:

وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً * تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ

وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ * فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ

وَذَاتُ الْفَتَى وَاللهِ بِالْعِلْمِ وَالتُّقَى * إِذَا لَمْ يَكُونَا لَا اعْتِبَارَ لِذَاتِهِ

بهذه الكلمات أردت أن أشيع العالم الرباني النحرير الشيخ الدكتور جعفر شيخ ادريس ، الذي لم التقه في حياتي إلا مرتين بسبب غيابه وفارق العمر بيننا وعدم المجايلة والمعاصرة المباشرة إلا من خلال ما كنا نقرأ له من كتب أو مقالات منشورة، ولم نعاصر حياته السياسية ونشاطه التنظيمي في الحركة الإسلامية ، إلا أنه ظل مرشداً وموجهاً ومربياً مما حقق لنا التوازن بين الإنغماس في العمل السياسي والتنظيمي والبعد عن العمل الفكري وقد ذكرت في ورقة لي عن تقويم "الكسب الثقافي للحركة الإسلامية قبل وبعد الإنقاذ" ، قدمتها للمؤتمر العام الثامن للحركة الاسلامية عام ٢٠٠٨ نُشِرَتْ في كتاب وُزِّع على أعضاء المؤتمر   

أوردت فيها في فقرة معايير تقويم الكسب الثقافي في افقرة ا-أ 

ثلاثة معايير فقهيه لتقويم الكسب

من بينها قياس المفارقة بين فقه المبدأ وفقه العمل مما يستوجب حضور المبادئ والأصول الشرعية والفقهية والفكر خلال الممارسة والتطبيق العملي للمشروع الثقافي إذ أن  هنالك الفجوة  ولا بد من ردمها  بالاجتهاد والتسديد والمقاربة حتى تضيق الفجوة بينهما  ليتسق المبدأ مع العمل ، وهذا يحتاج لمفكرين موجهين استبانت عندهم الرؤى والأفكار من طراز الدكتور جعفر شيخ إدريس ، الذي لم يكن يمارس السياسة بعصبية تنظيمية بلا فقه ولا فكر اسلامي

وقد قاد تياراً إصلاحياً تربوياً داخل صفوف الحركة الإسلامية في فترة حظر نشاطها السياسي بعد انقلاب مايو اليساري عام 1969م وفقا لمنهج سني تربوي مما حفظ للحركة منهجها الفكري والثقافي والتربوي حتى لا تضل وتتفرفق عضويتها في مذاهب شتى علمانية أو يسارية.

                ٦

كان الدكتور جعفر مستبصرا بقضايا عصره مستنيرا ومتربصا بما يحاك ضد الفكر الاسلامي من مؤامرات غربية لطمسه وتلبيسه مقولات مضللة، مثل كشفه لخدعة مصطلح العقلانيين والمستنيرين على غرار حركة التنوير في أوروبا التي استهدفت الدين الكنسي المتسلط آنذاك ونادت بعزله عن السياسة. فروجوا لمصطلح التنوير والعقلانية التي نشأت كتيار مضاد للأساطير والمعتقدات الكنسية الفاسدة التي كانت تقف ضد العلم والعلماء على عكس دين الإسلام الذي دعا للعلم والتفكر في هذا الكون الفسيح . ثم صكوا مصطلح الوسطية والاعتدال بهذا المفهوم أي أن هناك فريقا عقلانياً يمكن أن يتماهى مع الفكر العلماني الغربي وقد وصفهم بالعلمانيين المتدثرين بثياب الاسلام .  

كان الشيخ الدكتور جعفر شيخ ادريس عالما يقظ العقل  متقد الفكر يتصدى لكثير من الأفكار والمصطلحات البراقةالتي يروجها الغرب ويلوكها ويتحذلق بها مفكرونا ومثقفونا في قنواتنا الفضائية ومجلاتنا العلمية ومناهج التعليم دون الانتباه لما ورائها من سموم .

وقد ذكر في صفحته في الشابكة ثماني أسباب وحجج فقهية لإثبات بطلان مصطلح العقلانية قائلا "لأن فيه اعترافاً ضمنياً بأن العقل يمكن أن يكون مخالفاً للشرع؛ هذا مع أن المستعملين لهذا الاصطلاح يؤمنون بموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول. فلماذا إذن نستعمل اصطلاحاً يتضمن تقريراً لأمر ننكره؟"

وهذا منهجه في مواجهة التضليل بالمصطلحات التي التي تهدف إلى تجهيل الأمم ومصادرة وعيها بثقافتها وهويتها لاستتباعها في قطيع الشعوب التي يتحكمون في فكرها وتحييدها عن عقيدتها لتطبيعهم مع ثقافتهم وقيمهم المنافية للشرع. وفي مقابل مصطلح العقلانية على النهج الغربي صك للفكر الإسلامي مصطلح العقلانية الإسلامية لأن مفهوم العقل في الإسلام يختلف عنه في الغرب ولأن معظم الخطاب القرآني موجه لأولي الألباب وأولي النهى والذين يعقلون والذين يتفكرون في سياق الخطاب القرآني وأهدافه في نهايات الآياة التي تتطلب تنبيه ملكة معينة من ملكات التفكير والتحليل تجاه الظواهر الكونية والاعتبار من أحوال الأمم وعجائب الخلق أو تنبيهها إن كانت غافلة عن أمر ما.

ترك الشيخ جعفر شيخ إدريس العمل التنظيمي وتفرغ للدعوة الإسلامية ذات المنهج العلمي والفكري وتجاوز نشاطُه الفكري فيها محيطَه المحلي إلى آفاق العالمية ، التي احتكرها الغرب في الفكر والسياسة فصارت نظرياتهم وقوانينهم وأفكارهم هي التي منحوها صفة العلمانية وهي التي تسير العالم خلال منظماتهم الإقليمية والأممية حتى أن مواثيق الأمم المتحدة وقوانينها صيغت بهذه النظرة الفوقية لثقافات الأمم الأخرى ولا يعترفون بثقافاتها وخاصة الشعوب الإسلامية في إطار المواجهة بين الاسلام والغرب بل صار مصطلح الإرهاب يعني أي نشاط اسلامي أو أي فكر  ذي صبغة إسلامية ، حتى أن هذا المصطلح رسخ في فكرنا السياسي والثقافي وصرنا نلوكه معهم في خطابنا الإعلامي والثقافي دون وعي بما يحمل من غل وحقد على الأمة الإسلامية، وفي هذا الصدد  قُدِّم الدكتور جعفر شيخ ادريس لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، بحثاً قيما بعنوان الإسلام والإرهاب الخميس 1422هـ/ 2002م. مبيناً فيه خطورة هذه الفرية التي افتراها الغرب لمواجهة الاسلام في النظام العالمي أحادي القطبية.

كما تصدى باكراً لما وراء مفهوم نظرية صدام الحضارات وصياغة النظام العالمي ، حسب المفكر الأمريكي صمويل هنتينغتون التي بدأت تتخلق في رحم الفكر الغربي منذ عقود قبل ظهور  نظرية هنتينغتون  عبر سلسلة من المفكرين الحاقدين على العرب والمسلمين مثل بيرنارد لويس الذي بدأ في بلورة آليات لصياغة النظام العالمي بتصميمه مشروع إعادة تخطيط الحدود وتقسيم الدول العربية والاسلامية لإضعافها وقدمه للكونغرس الأمريكي وأجازه في عام  ١٩٨٣م . كل ذلك التخطيط يجري على قدم وساق والمفكرون الاسلاميون مشغولون بخلافاتهم الداخلية وخلافاتهم ومناهطتهم للأنظمة والتيارات العلمانية في بلدانهم ولم يبلوروا عقلا جمعيا اسلامياً في مواجهة الحرب الصليبية الثقافية الجديدة ، التي برزت في نسخة جديدة بعنوان صدام الحضارات. وفي خضم هذه المعركة نشر الدكتور جعفر شيخ ادريس كتابه بعنوان "صراع الحضارات بين عولمة غربية وبعث إسلامي"، أنظر: منشورات مجلة البيان بلندن، 1433هـ/ 2012م.

وموقع الدكتور جعفر شيخ إدريس في الشبكة.

 لا نستطيع في هذه العجالة استعراض كل ما خلفه هذا العالم البحر  من بحوث ودراسات اسلامية قيمة تجمع بين الأصالة والحوار مع العصر ولا أقول المعاصرة التي قد تشير إلى الوجود السلبي في العصر . ولكن الشيخ جعفر كان متفاعلاً مع عصره ناقداً لفكره الذي يتعارض مع الشرع والفكر والعلم في الاسلام لذا نجد يخوض معاركه الفكرية مع الغرب متسلحاً بثقافة عالمية واسعة وفكر اسلامي ثاقب فإذا تأملنا عناوين كتبه وبحوثه الثي قدمها في كثير من قضايا عصره في العديد من المؤتمرات العالمية باللغتين العربية والإنجليزية. نكتشف أن عالمنا الاسلامي قد افتقد عالماً اسلامياً خنذيذا وفارساً مغواراً في معركتنا مع الغرب ومفكراً أصيلاً منتجاً للأفكار الجديدة التي لم يقلد فيها من سبقوه ولم يمش حذوك النعل بالنعل مقتفيا آثارهم بل ناقداً ومطوراً لأفكارهم.وشاحذاً لأذهان بني عصره.

هذه خواطر وكلمات منثورة بين يدي رحيله بعد عطاء امتد لما يقارب القرن وقد ورد في بعض الأحاديث والآثار أن الله يبارك في أعمار العلماء ويطيلها، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التمديد في العمر بالمعنى الحرفي، بل قد تكون البركة في العمر بزيادة التوفيق للطاعات والعمل الصالح، وبقاء أثرهم الطيب وذكرهم الحسن بعد موتهم. وجاء في تأويل الآية أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا نَأۡتِی ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ یَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ ۝٤١﴾ [الرعد ٤٠-٤١] نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها)  قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: "نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها" مَوْتُ عُلَمَائِهَا وَصُلَحَائِهَا" أنظر تفسير الآية ٤١ في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي

وهذا لا يعني النقصان الفيزيائي للأرض وإنما فقدان من يعمرونها ويصلحون حال ما فيها من بشر وموارد تسخر لمصلحة الأمة الإسلامية وقوتها في الأرض والقيام بواجب الخلافة على أصولها الشرعية.

في الختام لا بد أن تتصدى لجنة من العلماء والباحثين لتحقيق ونشر أعماله التي لم تنشر وترجمة ما نشر إلى اللغات العالمية الحية واقترح تأسيس مركز للبحوث والدراسات الإسلامية باسم هذا العالم الفذ لإحياء فكره ونهجة في البحث العلمي وأن تتصدى لهذه المهمة إحدى جامعاتنا ولا سيما جامعة الخرطوم التي تخرج فيها

اللهم ارحمه رحمة واسعة واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل علمه صدقة جارية له واجعل البركة فيعقبه وذويه وألهمهم الصبر وحسن العزاء

صديق المجتبى

المدينة المنورة ٣٠/١/١٤٤٧ الموافق الجمعة ٢٥ يوليو 2025