جعفر شيخ إدريس: منهج التفكير الصحيح - د. عثمان أبوزيد
2025-07-20
178

جعفر شيخ إدريس: منهج التفكير الصحيح

د. عثمان أبوزيد - مكة المكرمة في الأحد ٢٠ يوليو ٢٠٢٥

قضيت بضع ساعات يوم أمس في المدينة المنورة تشرفت فيها بالسلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم ثم حضرت تشييع الشيخ جعفر شيخ إدريس من المسجد النبوي إلى "جنة البقيع" وهذا هو الاسم الذي يطلقه إخواننا الآسيويون على مقبرة البقيع.

وهكذا يجمعني لقاء نادر مرة أخرى في المسجد النبوي مع الشيخ جعفر بعد أكثر من ثلاثين عامًا من لقائنا الأول، غير أنه هذه المرة مُسجًى على النعش. 

أذكر أنه في ذلك اللقاء أخذني من يدي وسألني: لماذا أراك في كل محاضراتي ولقاءاتي معكم تعلَّق تعليقات سالبة؟ ثم بدأ يوجه لي في هدوء نصائح وملاحظات. كانت لحظة صفاء إذ تسللت كلماته إلى نفسي، والحقيقة كان تأثري أنه نصحني في خلوة ولم يحصل أن وجهني في أثناء المحاضرات التي كنت أشغب عليه فيها بسبب (يفاعتي) الفكرية وأنا دون الثلاثين من العمر.

هنالك الكثير ممن كتبوا عن جعفر شيخ إدريس وتناولوا جوانب مختلفة في حياته وشخصيته، وأريد هنا أن أركز على الجانب الفكري، مما شهدته طيلة عملنا معًا في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وبعد ذلك في لقاءاتي المتكررة مع فضيلته بعد عودي للسودان، ثم لقاءاتنا في مكة المكرمة عندما كان أحد الحضور المتألقين في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي.

لماذا الجانب الفكري؟ 

الشيخ جعفر كان مثالا للمفكر الحصيف. سمعت منه أنه دائم التفكير والمراجعة لما يتوصل إليه من رأي، قد تسمع منه قولا في يوم ثم إذا أبديت موافقتك مع قوله بعد أيام تراه يقول لك: لكني فكرت في الموضوع وعدلت إلى ما هو أفضل. 

قدم الشيخ زين العابدين الركابي محاضرات في مقرر دراسي بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية تحت اسم (منهج التفكير الصحيح)، وكان المثال الحاضر عنده هو جعفر شيخ إدريس وكتاباته وإسهاماته الفكرية.

وقبل سنوات قابلت في مكة المكرمة الداعية الأمريكي يوسف أستس فذكر لي أن أكثر من تتلمذ عليه في معرفة الإسلام أستاذ من السودان هو جعفر شيخ إدريس. والحقيقة إن التأثير الفكري لجعفر في الشباب بدأ باكرًا منذ التحاقه بالتعليم أول مرة معلمًا بالمعهد الديني في بورت سودان. هذا مما حكاه أحد تلاميذه في المعهد الدكتور محمد صالح محيي الدين رحمه الله، ولا أعلم هل كان التحاقه بالتدريس في المعهد تطوعًا أم بتعيين رسمي. وسمعت من شقيقي الدكتور محمد أبوزيد أنهم في السنة الأولى من الجامعة تلقوا محاضرة من جعفر في منزله بالمقرن في الخرطوم عنوانها: السبب والمسبب، إذ كان جعفر قد أكمل دراسته للدكتوراة في بريطانيا في موضوع (مفهوم السببية في الإسلام) سنة 1970م.

ومع ذلك لم يتشكل مع جعفر تيار فكري منظم، وإن كان له تلاميذ كثر ومعجبون وقد أسرّ لي في أوائل الثمانينيات أنه ينوي إنشاء جماعة خالصة من أوشاب التنظيمات الإسلامية، لكنه لم يفعل، بل إنه دعا في آخر سني عمره إلى تجنب الجماعات والتنظيمات. وقد ذكر لمجلة العصر في حوار معه إنه نصح "أحد الشباب عندنا وهو رجل ذو علم اسمه عبد الحي يوسف بأن لا ينتمي إلى إحدى الجماعات، فابن باز مثلاً والألباني أناس أكبر من الجماعات ولهم تأثير لا ينكر". 

حوار فكري مستمر

ولما كنا في المعهد العالي للدعوة الإسلامية، كلفت في عملي بإعداد ملفات من الصف والمجلات، وطلب شيخ جعفر أن أطلعه على المهم من الأخبار الثقافية والفكرية.

حملت له ذات يوم قصاصة من صحيفة نشرت خبر إسلام روجيه جارودي المفكر الفرنسي الضخم، واهتم بالخبر غاية الاهتمام، وحدثني حديثًا ضافيا عن جارودي. وكنت أكتب في تلك الأيام بمجلة الدعوة السعودية فكتبت مقالا عن جارودي واعتناقه الإسلام غير أن رئيس التحرير أهمل المقال فذهبت إليه وحدثته إن مجلة الدعوة ستكون صاحبة السبق في كتابة مقال عن هذا الموضوع الذي سيكون حديث الناس في القريب العاجل. وبالفعل نقلت عدة مجلات ذلك المقال.

وذات يوم ناولت الشيخ جعفر قصاصة من صحيفة القبس تقول إن كاتب رواية في بريطانيا اسمه سلمان رشدي فاز بجائزة على روايته (آيات شيطانية)، وكنت مترددًا في تقديم القصاصة لعدم معرفتي بأهميتها، ولم يكن سلمان رشدي معروفًا آنئذ. وجدت الشيخ جعفر يقلب القصاصة عدة مرات في يده ويقرأها باهتمام زائد. وقال لي: تعرف إن جمعية في بريطانيا تستشيرني ماذا يفعلون تجاه كاتب روائي سب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أشرت عليهم بأن يهملوه لأن التصدي له ربما كان سببًا في ترويج روايته. ودخل الشيخ إلى الداخل وكنا في بيته وأقبل يحمل رواية آيات شيطانية، ثم أردف قائلا: إن وصول خبر رشدي إلى صحافتنا العربية يعني شيئًا واحدًا أن القوم يحضّرون لمعركة، لذا ينبغي للناس أن يجهزوا حملة مضادة ويشحذوا أسلحتهم الفكرية.  

وكنت أبادر الشيخ بالأخبار العاجلة، كنا مجتمعين في برج مياه الرياض على عشاء، وافترقنا. ولما فتحت نشرة أخبار لندن الحادية عشرة في راديو السيارة سمعت خبر وفاة السياسي السوداني الشريف حسين الهندي، فوجهت سيارتي نحو بيت الشيخ جعفر وكان يسكن في شارع الخزان، ولحقت به وهو نازل للتو من سيارته، فنقلت له الخبر الذي كان فاجعا له، إذ ربطته علاقة شخصية بالشريف الهندي أيام معارضة حكم الرئيس جعفر نميري.


الحلقة 2

الشيخ والتقنية

لو قُدر للشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس أن يعيش عصر الذكاء الاصطناعي لسارع إلى التعرف والتدرب عليه واستخدامه، فقد كان سابقًا أقرانه في مواكبة الجديد. 

بدأ استخدام الكمبيوتر أول ظهوره وكنا نستغرب ذلك منه. ولعل أحد إخوتنا من مصر جمال سلطان كان أشد دهشة وهو يشاهد شيخًا متقدمًا في السن يستخدم اللابتوب!

تقابلا في مؤتمر ببرمنجهام وتشاركا السكن في غرفة واحدة، يقول: "وجدت الشيخ الكبير في ركن من الغرفة يخرج جهازًا صغيرًا من حقيبته [لاب توب]، فتحه وبدأ يكتب عليه، وأنا الشاب الذي لم يغادر الثلاثينات من عمره وقتها، يفتح الكشكول الورقي والقلم الجاف "الفرنساوي" ليبدأ الكتابة والتصحيح، استفزتني المقارنة، فناقشته: ماذا تفعل؟ قال لي أكتب ورقتي التي سأقدمها، قلت له: كيف تكتب على الجهاز وأنت تفكر في الوقت نفسه؟ ثم أردفت استدلالا بدافع الغيظ "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"، زادت ابتسامته وقال: هي مسألة تعوُّد، واستخدام الأصابع للكتابة على الجهاز تتحول مع الوقت إلى سليقة لا تحتاج إلى تفكير، ولا تعطل نشاط العقل في التفكير.

في هذه الليلة ـ يستطرد جمال سلطان ـ قررت أن أول شيء أفعله عندما أعود إلى مصر أن أشتري كومبيوتر، وأقاطع الكشاكيل والأقلام الجاف "الفرنساوي" الشهيرة في جيلنا، لدرجة أني اشتريت الكومبيوتر وأنا لا أعرف كيف أفتحه أو أغلقه، ثم استعنت بصديق يدربني عليه". 

استشراف المستقبل

وللشيخ رحمه الله رؤى بديهية في استشراف المستقبل نابعة من خبرته ونظرته للواقع. في وقت سابق تحدث عن أن الغرب لن يسمح بتقدم أو نجاح للإسلام يتجاوز حدًا معينًا. قد يتعايش مع ذلك في حدود معينه، ولكن سوف يتصدى بقوة إذا زاد هذا النجاح بما يعده خطرًا عليه. وقد سئل في أمريكا عما يتوقعه لمجتمعات المسلمين في الدول غير المسلمة، فأجاب بأنه لا يعلم بالتحديد ما سيحصل، لكن يتوقع أن تُفتعل هجمات وتنسب للمسلمين، فتكون ذريعة إلى التنكيل بالمسلمين وقمع أي عمل إسلامي بعد ذلك. 

وقد أفدتُ من هذه الرؤية حين وضعتُ مع الدكتور محمد وقيع الله أحمد كتابًا عن الوجود الإسلامي في أمريكا نشرته رابطة العالم الإسلامي، وحمل الفصل الأخير في الكتاب رؤية للمستقبل استشهدنا فيه بأقوال لمفكرين مسلمين غربيين من أمثال محمد أسد ومراد هوفمان وإيفون حداد وأسماء قول حسن وآخرين؛ تراوحت رؤاهم بين التشاؤم والتفاؤل في مستقبل العمل الإسلامي في أمريكا. 

وعرضنا رأيًا وسطًا للشيخ جعفر في أن "الرأي العام في أمريكا يمكن أن يتفهم الإسلام، ولدى كثير من الناس في الغرب الرغبة في التعايش مع المسلمين، والإسلام لم يكن دينًا لشرق أو غرب، بل هو دين للناس كافة". ويستطرد الشيخ جعفر ليقول: "إنني على يقين أن الإسلام إذا قُدم بطريقة صحيحة إلى الغربيين، فإن كثيرًا منهم سوف يتأثرون به إن لم يعتنقوه. وهناك مجالات للتعاون البناء المشترك بين المسلمين وغير المسلمين مثل محاربة المخدرات والمسكرات، والاتفاق على هدف أسمى للأديان في مكافحة الشرور وزيادة الخير". 

ترشيح عبد الله الطيب لجائزة عالمية

وانطلاقًا من رؤية الشيخ جعفر الثاقبة للمستقبل، جاءت خطط وبرامج في إطار العام والخاص. أذكر أنه عرض فكرة ترشيح العلامة عبد الله الطيب لجائزة الملك فيصل العالمية في الآداب، وأن تتبنى جامعة الإمام بالرياض ترشيحه. وتفاكر مع أساتذة سودانيين في الجامعة منهم الدكتور محمد صالح محيي الدين، وكلفوني بجمع معلومات عن البروفيسور الطيب لإعداد سيرته الذاتية.

كان ذلك في نحو منتصف الثمانينيات الميلادية، لكن تأخر هذا الفوز المنتظر سنوات، ولا نعلم إن كانت جهات أخرى قد تقدمت بالترشيح، ولكنه بحمد الله جاء الإعلان عن جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 2000، للدكتور عبد الله الطيب مناصفة مع الدكتور عزالدين إسماعيل، وكان موضوع الجائزة في ذلك العام "الدراسات التي تناولت النقد الأدبي القديم عند العرب في تاريخه أو كتبه أو رجاله أو قضاياه".

قدوة علمية

وكنت أجد عند الشيخ جعفر الرأي السديد في كل أمر يستشكل عليَّ في الكتابة العامة أو البحث العلمي. 

سألته ذات مرة أنني لم أفهم مصطلحًا بعينه، إذ أرى له تعريفات كثيرة تتناقض أحيانًا، فقال: إذا أشكلت عليك المصطلحات فابحث عنها في الموسوعات العلمية العامة أو المتخصصة.

كلمته عند إنفاذ حكم الإعدام على محمود محمد طه يناير1985م بأن الأساتذة غير السودانيين في الجامعة لم يسمعوا بمحمود ويتحدثون عن استشهاد عالم إسلامي فذ وقتله ظلمًا في السودان، فوجهني الشيخ إلى إعداد مقال عن محمود، وأخبرني أنه عائد للتو من مكة المكرمة بعد مناقشة رسالة دكتوراة لشوقي بشير عن الفرقة الجمهورية في السودان وأفكار محمود محمد طه، وزودني برسالة الدكتوراة من أربعة مجلدات، سهرت عليها حتى الصباح، وسلمت البحث الذي جرى نشره وتوزيعه. 

ووجّه بحضور دروس الشيخ عبد العزيز بن باز التي حرص على حضورها في الجامع الكبير وهي عبارة عن كتب مثل الصحاح، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وتفسير ابن كثير وغيرها، تُقرأ جماعيًا ويعلق عليها الشيخ بن باز. 

وكان الشيخ جعفر واسع الاهتمام في قراءاته، لا يقتصر على مجال واحد. سمعته مرة يقول إنه ما يزال يقرأ الروايات، ويقول عن نفسه إنه بطيء في القراءة وأن ذلك قد أفاده، وأن له طريقة في القراءة يختار كتابًا يضعه جوار سرير النوم، يطالع فيه يوميًا عند النوم عدة صفحات، وذكر الكتاب الذي يقرأ فيه عندئذ وهو كتاب "الكتاب" لسيبويه. 

إنها لهمة عالية جدًا في العلم، أن ينام المرء ويستيقظ  على كتاب سيبويه!


الحلقة 3  رأي منتقد للديمقراطية ومتحفظ من اسم الفلسفة الإسلامية

أردنا ونحن نتناول الجانب الفكري من شخصية الشيخ جعفر شيخ إدريس أن نعطي شذرات عجلى يسيرة من أفكاره وآرائه، وبوسع القارئ أن يجد المزيد في موقعه على الانترنت jaafaridris.com ونكتفي هنا ببعض الأمثلة المهمة.


رأيه الناقد للديمقراطية

سمعتُ من الشيخ جعفر في حديث خاص أنه يسعى لطرح منظومة يسميها (القِسطية) بديلا للديمقراطية استنادًا على الإسلام، لأن الدعوة للديمقراطية تجافي الحكم بما أنزل الله. وكان يعني بالحكم هنا التشريع، فسؤال: لمن الحكم؟ ينبغي أن تكون إجابته: لله الواحد. يقول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}.

من يدعو إلى الديمقراطية يقول بأنه يفعل ذلك لأن فيها محاسن مثل حرية التعبير وحكم القانون واختيار الحاكم ونحو ذلك، ولكن كلُّ شيء يعجبنا في الديمقراطية موجود في أصول الإسلام، فلماذا نترك ديننا ونذهب إلى الديمقراطية؟ السبب هو أننا مقلدون وتابعون، ولأننا لا نريد أن نفكر ونكتفي بالنظر إلى الأشياء بمنظار الآخرين. 

يرى الشيخ جعفر أن الناس يتكلمون عن الديموقراطية كلاماً مثالياً، وكأنَّ آثار الديموقراطية من انتخابات وغيرها هي التي ستحل لهم مشاكلهم. ويعدّد الشيخ انتقادات الغربيين للديمقراطية، فكما يقول: من أحسن الكتب التي تنقد الديموقراطية بشكل واسع وعميق ما كتبه الغربيون أنفسهم، ولأحد مشاهير الصحفيين وأظن اسمه (ليبمان) قول عجيب فهو يقول: إن الديموقراطية تصل بالإنسان إلى الحكم، لكن لا تقول له ماذا يفعل بعد أن يصل. وهذا عيب كبير، لذلك قلت لأحد إخواننا إن هذا عكس ما يعتقده أهل السنة، فالديموقراطية يهمها طريقة الوصول إلى الحكم ولا تهتم بما بعد ذلك، أما أهل السنة فيُعدّ الوصول إلى الحكم عندهم أهم من طريقة الوصول، فجوزوا إمارة المتغلَّب ما دام سيطبق الكتاب والسنة ويقيم الشريعة، وهناك كاتب روسي أسمه سولجنستين جاء إلى الغرب وإلى أمريكا وانتقد الرأسمالية، وكان من ضمن ما يقوله عن الديموقراطية: إن الديموقراطية كانت مفيدة عندما كانت مرتبطة بالدين، فالديموقراطية تعطيك حرية القول والدين يرشدك إلى ما عليك فعله، لكن عندما ذهب الدين صارت الحرية هي حرية (فعل الشر)!! 

وقد قرأت قريباً ـ وما يزال الحديث لجعفر ـ في ملحق عن الكتب تنشره الواشنطن بوست، عن صدور كتاب يتحدث فيه الكاتب عن هذه المشكلة التي تكلم عنها الشيوعيون قديماً لكن بأدلة حديثة، وبيّن عيوب الديموقراطية مضيفاً أن الثروة في هذه المجتمعات تتركز بأيدي جزء بسيط من أفرادها وضرب مثلا بيل غيتس إذ قال إن ثروته تساوي ثروة بضع وأربعين بالمائة من المجتمع الأمريكي. (انتهى كلام الشيخ)

لم أجد في مؤلفات الشيخ جعفر أو في محاضراته ذكرًا لهذه (القسطية) التي سمعتها منه، ولو أني سمعت منه هذا الآن لربما ناقشته إن أي فكرة أو نظرية لا بد لها أن تدخل في النقاش العام ويؤيدها قطاع واسع الرأي العام فتصبح برامج عملية تسعى بين الناس. وكأنني سمعت ـ إن لم تخن الذاكرة ـ أن الشيخ جعفر أشار لطرف من هذا لقناة المجد الفضائية وحدد مهمة المفكر أن يبذل رأيه ومنظوره.

قد يأتي جيل يعمل على إحياء هذه الأفكار ويبعثها ويعمل بها، وليس ذلك على الله ببعيد...


لماذا تحفَّظ الشيخ جعفر على اسم الفلسفة الإسلامية؟

وسمعت من الشيخ جعفر بأن الغربيين هم من اخترعوا اسم الفلسفة الإسلامية، وهم في مكتباتهم الجامعية يضعون مراجع للفلسفة العامة، وقد يضعون تصنيفًا يسمونه الفلسفة الإسلامية، وإنما فعلوا ذلك لتمييز فلسفة المسلمين عن الفلسفة العامة، فهم يطلقون عبارة الفلسفة الإسلامية للتعبير عن فلسفة ابن رشد والفارابي وغيره من علماء العرب والمسلمين.

ويذكرنا هذا بجدل كان يستعر بيننا حول مقرر باسم (الإعلام الإسلامي)، ومن الطريف أن بعض الجامعات الإسلامية عندما أنشأت أقسام الإعلام لم تسمها قسم الإعلام الإسلامي، فعلوا ذلك عمداً. وكنت في لجنة المناهج بإحدى الجامعات السودانية عندما تقدمت بحيثيات لتسمية قسم الدعوة الإسلامية بقسم الاتصال العام، لأن الدعوة في جامعة القرآن الكريم هي بالضرورة دعوة إسلامية.

وبهذا الفهم تطرق الباحث الإيراني في الجامعات الأمريكية حامد مولانا إلى الموضوع عندما كتب عن الـ ISLAMIC COMMUNICATION فهو يعرض بضاعة مختلفة في الغرب، فلذلك يضع وسماً مختلفاً يميز هذه البضاعة عن السائد هناك.

إن بعض المشتغلين بالإعلام قد نكصوا عن تداول تعبير (الإعلام الإسلامي) إلا في حدود أنه مركب وصفي للدلالة على استخدام المسلمين لوسائل الإعلام. وهو التعريف الإجرائي للإعلام الإسلامي الذي اتفق عليه المشاركون في المؤتمر الإسلامي العالمي للإعلام بجاكرتا عام 1433هـ. 

وبالمناسبة هذا المؤتمر كان اسمه أول انعقاده في 1400هـ المؤتمر العالمي للإعلام الإسلامي، ثم صار الاتفاق على الاسم الجديد بحسبان أن وصف الإسلامي للمؤتمر وليس للإعلام.

وقد أسهم رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا بروفيسور سيد عربي عيديد بورقة نظرية مهمة في المؤتمر الثاني بجاكرتا وقدم نقداً علمياً مقنعاً واقترح أن نبقي على اسم الإعلام الإسلامي للدلالة على أصول التصور الإسلامي في الإعلام المنبثقة عن الحقائق الشرعية في الكتاب والسنة، وأن نفرق بين الإعلام الإسلامي Islamic Media وبين Muslim Media على الدوام.

الشيخ جعفر رائد ذو إسهام غني في إسلامية المعرفة حين تناول "مناهج التفكير الموصلة للحقائق الشرعية والكونية"، وقدم الأجوبة الإسلامية عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالوجود والعقل والأخلاق وما إليها، ونظر إلى كل ذلك باعتبارها كما قال: "الفلسفة الإسلامية الحقة إذا جازت نسبة الفلسفة إلى الإسلام".

خاتمة

قد تكون هذه الحلقة الخاتمة موغلة في التخصص، ولعلها تظهر للقراء غير المختصين ثقيلة وعويصة، وعهدنا بشيخنا العلامة جعفر شيخ إدريس أنه خفيف الروح، مشرق العبارة، يحب النادرة ويطلق الطرفة الذكية بعفوية نادرة...

ومن طرائفه التي رواها لنا الدكتور عمر الحبر يوسف أن جعفر في الفترة الأولى من حكم الرئيس نميري جاءت سيارة فيها جنود مدججون بالسلاح لاعتقال الشيخ من منزله، فلما خرج إليهم قال لهم: "انتو عاوزين تعتقلوا جعفر وَلّا جيفارا"!

رحمك الله يا أبا عبد الرحمن.