في كل يوم راحل ومودع - كلمة في رثاء الشيخ العلامة جعفر شيخ إدريس
2025-07-19
530

في كل يوم راحل ومودع

كلمة في رثاء الشيخ العلامة جعفر شيخ إدريس

كتبها هاشم الإمام محيي الدين


وقد كان بالوادي وبالربع والحمى ** رجال مصابيح الوجود نجوم

وكنت بهم وافي الجناحين سا ** كن الفؤاد وريحيا إذ تهب نسيم

فأصبحت من بعد الأحبة مفردا ** وحيدا ومحزون الفؤاد كظيم

الفقيه الشافعي / ابن علوي الحدّا د

في كلِّ يومٍ راحلٌ ومودَّعٌ، فللهِ أشكو ما ألقى وما أجد، طوى الرَّدى أخي الشيخ العلّامة جعفر شيخ إدريس بعد عمرٍ مباركٍ قضاه في الدَّعوة إلى الله، طاف فيه أطراف الأرض، وبلغ فيه ما بلغ الليلُ والنَّهار، داعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا، فلا تكاد تجد أرضًا فيها مسلمٌ لم تطأْها قدماه، وذلك بفضلِ الله ثمّ بفضلِ جامعة الإمام محمد بن سعود الغرّاء.

ترك الشيخُ - رحمه الله - للأجيالِ من بعدِه كتبًا قيّمةً وأسفارًا حسانًا في موضوعاتٍ لا يحسن أن يخوض فيها إلا الرَّاسخون في العلم، فأبحر فيها بزَادٍ وافرٍ من علومِ الفلسفة والعقائد واللغة العربيَّة واللغة الإنجليزيَّة، فوفّقه الله إلى سبيلِ الرُّشد، وجنّبه مزالق الهوى، فأمتع وأفاد.

كان جعفر - رحمه الله - حسن السَّمْت، متينًا في دينه، لا يخشى في الحقِّ لومةَ لائمٍ، كما كان ذكيًّا لمّاحًا، قويَّ الحُجّة، يخشاه الخصوم، وقد كان الهالك محمود محمد طه يتحاماه ويتجنّب لقاءه.

مضى جعفر، وترك من خلفه عبد الرحمن وعبد المنعم ويوسف وأختهم، ومن ترك ذريّةً كهذه، فما مات، بل هو حيٌّ يتلقّى دعواتهم الصَّالحات، فترفع درجاته، فليهنأ بما غرستْ يداه.

التقيتُ جعفرًا وعرفتُه عن قربٍ حين عملتُ مدرّسًا للغةِ العربيَّة في معهدِ العلومِ الإسلاميَّة والعربيَّة التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود في منطقة واشنطن، وكان الدكتور جعفر يومئذٍ رئيسًا لقسمِ البحوثِ فيه، كما كان أحدَ مؤسّسي الجامعة المفتوحة، وكان يصافيني الوُدَّ، ويُحسن الظنّ بي، ويرى أنّي أُحسن علمَ العربيّة، لذلك أعطاني بعض كتبه

لمراجعتها قبل الطباعة، وذلك شرفٌ عظيمٌ وفضلٌ لا يعرفه إلا من عرف أن جعفرًا من علماءِ العربيّة وصاحبُ أسلوبٍ سلسٍ لا يحتاج لمثلي أن يراجع عمله، ولكن غلب عليه التواضعُ الذي هو شيمةُ العلماء، وشهد الله أني ما وجدتُ فيما شرّفني بمراجعته لحنًا ولا ضعفَ أسلوب، وإن كان اللّحن معرّةً ما سَلِمَ منها أئمّةُ اللغةِ وحفّاظها.

رحم اللهُ جعفرًا، لَرجلٌ سميدع، وهو وصفٌ أطلقه عليه شيخُ العربيّة وابنُ بجدتِها العلّامةُ الطيب السّراج، فقد كان جعفر ممّن يحضرون دروسه، وكان - رحمه الله - إلى جانبِ متانةِ الدّين، أجملَ الناسِ خُلُقًا، وألينَهم عريكةً، وأرقَّهم حاشيةً، وأبعدَهم عن سفسافِ القول، عفًّا، برًّا، تقيًّا، يدعو إلى الوسطيّة، ويكره الغلوَّ، على خلاف ظنّ بعض الناس به، ولعلّ سببَ هذا الظنّ السيّئ خلافُه مع بعض قادةِ الحركة الإسلاميّة في السّودان، فقد أشاع بعضُ تلاميذ هؤلاء القادة هذه الفرية عنه.

أوتي جعفر محابَّ القلوب، فكلُّ من عرفه أحبّه، وأصدقاءُ أبنائه أحبّوه، وتعلّموا منه أدبَ السلوكِ وحبَّ المعرفة، وكان يحبُّ البساطةَ في السلوكِ والمظهر. حكى لي أن من أسعدَ أيامِ حياته، أيّام كان مختبئًا من جهاز الأمن في عهدِ الرئيس النميري، لم يكن معه إلا جلابيّةٌ واحدةٌ، وعراقيٌّ، وسروال، كما كان يحبُّ قصصَ البُسطاء من الناس، ولا سيّما تلك التي

تعبّر عن ذكاءٍ فطريٍّ. قلت له مرّةً إنّ رجلًا بسيطًا كان يُجالس بعض المتعلّمين، وكان هؤلاء المتعلّمون يناقشون مسألة أن تشهد الأيدي والأرجل على أصحابها يوم القيامة، مستنكرين قدرتها على النطق، فقال لهم هذا الرجل البسيط: "وما الذي أقدر اللسان على النطق؟ أليس هو أيضًا عضلةً أو قطعةَ لحمٍ كاليد والرّجل؟!"، فطرب جعفر لهذا الردّ الفِطريِّ المُفحم أيّما طربٍ.

لقد أشجاني وهدّني موت جعفر، وكيف لا يفعل، وقد أودعنا الترابَ من كان ينتمي إلى كلِّ نجمٍ محلّق، وكيف لا يفعل، وقد عادت الدّنيا إلى سالفِ كيدها، ففرّقتنا:

وتفرّق البُعداء بعد مودّةٍ ** صعبٌ، فكيف تفرّق القُرباء؟

وتداولُ الأيامِ يُبلينا كما ** تُبلي الرُّشا تطاوح الأرجاء

رحم اللهُ جعفرًا، فقد أدركتْه الشيخوخة، وبراه المرض، وهكذا يبتلي اللهُ عبادَه ليرفع منزلتَهم في الجنّة، فالحمد لله على قضاء الله وقدره، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ، وإن كنّا على فراقه لمحزونون:

يا مَنَايَا حُومي حول الحِمى واستعرضينا واصطفي
كلَّ سمْحِ النّفسِ بسّامِ العشيّاتِ الوفي

الحليمِ العَفِّ كالأنسامِ روحًا وسجايا ** أريحيِّ الوجهِ والكفِّ اقترارًا وعطايا

فإذا لاقاكَ بالبابِ بشوشًا حفيًّا فضميرُ كتابِ اللهِ طاهر

أنشِبي الأظفارَ في أكتافِه واخطفي وأمانَ اللهِ منّا يا منايا

(صلاح أحمد إبراهيم)

هؤلاء هم قومي، من سلفَ منهم ومن لا يزال على العهد، وما بدّلوا تبديلًا، أُثني عليهم ولا أُحصي ثناءً، فلله دَرُّهم:

لا يَبعُدَنَّ قومي الذينَ هُمُ ** سُمُّ العِداةِ وآفَةُ الجَزَرِ

النّازلُونَ بكلِّ مُعتركٍ ** والطيّبونَ معاقِدَ الأُزُرِ

ليبلغ عزائي آل جعفر وأهله وأقاربه، والعلماء، وأساتذة الجامعات، والدعاة، وأهل السودان كافّةً.

اللهم اغفر لجعفر، اللهم اغسله بالماء والثّلج والبرد، اللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياضِ الجنّة،
اللهم ارزقه الفردوس الأعلى من الجنة، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده.
اللهم آمين، آمين، آمين.