|
سياسة التناقضات المستعلنة
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 186
, صفر 1424 هـ
ما جريمة العراق التي ستعاقبه عليها
الولايات المتحدة بحرب ربما أزهقت آلاف النفوس من العراقيين ، وشردت آلافاً
أخرى ، وأعاقت آلافاً غيرها ، وخربت البلاد ، وكلفت الولايات المتحدة
بلايين الدولارات ، وذهب ضحيتها العشرات إن لم تكن الآلاف من الجنود
الأمريكان ، ثم ربما كان من آثارها تلويث للأجواء يتضرر منه البشر من كان
منهم قريباً من العراق ومن كان قاصياً عنها ؟
ما الجريمة التي تستدعي هذا العقاب البالغ التكاليف ؟ إنه تهمة امتلاكه لما
يسمى بأسلحة الدمار الشامل . العراق ينفي هذه التهمة . لكن الدولة التي
تريد أن تخوض تلك الحرب الضروس تملك من أسلحة الدمار الشامل ما يكفي كما
يقولون لتحطيم الكرة الأرضية كلها . وحليفتها في تلك الحرب بريطانيا تملك
منها الشيء الكثير ، ومحرضتها على الحرب إسرائيل تملك عدداً من القنابل
النووية ؛ فما الذي جعل امتلاكهم لها حلالاً وللعراق وغيرها من الدول
العربية حراماً وإجراماً ؟ وإذا كانت العراق تنفي امتلاكها لمثل تلك
الأسلحة ، فإن دولاً أخرى وصفت بأنها من محور الشر تعترف بأنها تملكها ، بل
وأنها ستطورها . وإذا كانت العراق قد سمحت لمفتشي الأمم المتحدة بدخول
أراضيها ، وولوج كل مرفق فيها ، فإن كوريا الشمالية قد طردتهم شر طردة ،
وأعلنت ذلك على الملأ؛
فما الذي جعل العراق خطراً داهماً ولم يجعل كوريا كذلك ؟ وإذا كانت جريمة
العراق أنها لم تنصع لقرارات الأمم المتحدة ، فإن الدولة التي تريد
معاقبتها على ذلك تقدم قرارات مجالسها التشريعية على كل قرارات الهيئات
الدولية ، وتحول دوم معاقبة إسرائيل حين تخرج على تلك القرارات . بل إن
الدولة التي تريد معاقبة العراق على عدم انصياعها لأوامر الأمم المتحدة ،
تعلن أنها ستخوض حربها مع العراق رضيت الأمم المتحدة أم غضبت . والمسؤولون
فيها يتكلمون عن الأمم المتحدة بكثير من التعالي ، ويأمرونها بأن تفعل كذا
وكذا ، وإلا كانت قد فشلت في أداء مهمتها ؛ حتى إنك لا تدري : أعن الأمم
المتحدة يتحدثون ، أم عن مدرسة
ثانوية في قرية من قراهم ؟ وإذا كانت أسلحة الدمار الشامل أول ما تكون خطراً
على الدول المجاورة لها ، لا على بريطانيا و أمريكا التي تسعى لحربها
وعقابها ، والتي تبعد آلاف الأميال عنها ، فإن هذه الدول المجاورة مجمعة
على رفضها للحرب ، فلماذا لا يستمع لرأيها ؟ وإذا كان الغرض من الحرب هو
تخليص الشعب العراقي من دكتاتورية غاشمة ؛ فما دكتاتوريته بالدكتاتورية
الوحيدة في العالم ، فلماذا كانت هي الوحيدة التي تستحق أن تحارب ؟ حكومات
الولايات المتحدة وبريطانيا حكومات ديمقراطية ، والديمقراطية هي حكم الشعب
، أو هي في الواقع حكم من تختاره أغلبية من شاركوا في الانتخابات ممن تحق
لهم المشاركة . لكن الذين يعترضون على الحرب الآن في كل من الدولتين هم
بحسب الاستطلاعات أكثر عدداً من الذين صوتوا لكل من الزعيمين الأمريكي
والبريطاني ومكنوهما من حكم بلادهم . لكن كلاً من الزعيمين الآن يضرب برأي
هذه الأغلبية عرض الحائط ، ويمضي لا يلوي على شيء في طريقه إلى الحرب .
وكذلك تفعل الدول الديمقراطية المؤيدة للحرب ؛ حتى إن مراسلاً لمحطة الـ (
بي . بي . سي ) قال إنه تجول في شوارع بلدان أوروبا الوسطى فالتقى بالكبار
والصغار والرجال والنساء باحثاً عن شخص واحد مؤيد للحرب فلم يجده ! بل وجد
الناس معارضين للحرب قائلين إنها حرب من أجل البترول . لكن حكومات هذه
الشعوب كانت من أول من أعلن تأييده للولايات المتحدة . وأيضاً إذا كانت
الديمقراطية هي حكم الشعب ، فلماذا لا يستمع إلى الشعوب العربية التي يهمها
أمر العراق أكثر مما يهم غيرها . وقد قالت هذه الشعوب وقال حكامها إنهم لا
يريدون الحرب ، وأنهم يعدونها اعتداء ، وأن آثارها ستكون ضارة ضرراً بليغاً
بالمنطقة كلها . ولماذا لا يستمع إلى رأي الشعوب الأوروبية والأسترالية
والنيوزيلندية وغيرها من شعوب العالم التي خرجت في
مظاهرات تقدر بالملايين معترضة على خوض مغامرة الحرب ، خائفة من
نتائجها ؟ أم أن الديمقراطية إنما يلتزم بها إذا كانت موافقة لمعتقدات
الحاكم ؛ فإذا هي خالفتها تحولت إلى دكتاتورية لا تلقي لآراء الشعوب بالاً
مهما كثر عددهم ، ومهما كان الأمر مهماً لهم ؟
ومع هذا الخروج على مبدأ الديمقراطية تزعم لنا الدول التي توقد نار الحرب
أنها إنما تفعل هذا لنشر الديمقراطية وتحقيق الحرية !
إن الباطل لجلج ؛ وهذا التناقض يدل على أن الأهداف المعلنة لحرب العراق ما
هي بالأهداف الحقيقية . ما الذي يدعو الحكومات الغربية المصرة على الحرب
للوقوع في مثل هذا التناقض ؟ ما الذي يدعوها لأن تخالف رأي شعوبها وتخسر من
كانوا يعدون من أصدقائها ؟ ما الذي يدعوها لأن تصرف الأموال الباهظة وتضحي
بالنفوس الغالية ؟ إنه لا يمكن أن يكون مجرد حرص على إزاحة
دكتاتور عن كرسي حكمه ، ولا يمكن أن يكون هلعاً من أسلحة دمار شامل
على فرض وجودها لا تأثير كبير لها على الدول الغربية . لا بد أن يكون إذن
شيئاً تراه هذه الحكومات أمراً جللاً مهدداً لاستمرار ثقافتها وحضارتها
الغربية ، لكنه مع ذلك أمر لا تستطيع أن تصرح به ؛ لأنه من الصعب عليها أن
تقنع شعوبها به ، ولأنه ربما كان منطلقاً من موقف اعتقادي لا تشاركها
جماهيرها فيه ، ولأنه يتناقض مع قيم طالما رُبِّيَ الناس في الغرب الحديث
عليها ، ولا سيما في أيام الحرب الباردة ، لإظهار تفوق الحضارة الديمقراطية
الليبرالية الرأسمالية على الأيديولوجية الشيوعية . كيف تتخلى هذه الجماهير
عن قيم قيل لها إنها لب حضارتها وسر تفوقها الخلقي ؟
ما هذا الأمر الجلل الذي يدعو حكام الدول الغربية وبعض مناصريهم من قادة
فكرهم إلى الخروج على هذه القيم التي عاشوا عليها
سنين طويلة من حياتهم الحديثة التي أعقبت الحركة الاستعمارية ؟
لا بد أن يكون الذي سبب كل هذا الخوف وسوغ تلك التناقضات والتضحيات أمراً
لا تقاومه أو تقف في طريقه قوة السلاح المادي مهما عظمت . إنه أمر يُخشى أن
يدخل في قلوب كثير من الأفراد فيجعل منهم أفراداً آخرين لا صلة لهم
بالحضارة الغربية كما عرفت حتى الآن . فما هو يا ترى هذا الشيء ؟
أترك أمر تحديده لفطنة القراء الكرام .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|