|
آيات الصيام .. والدعوة إلى
الإسلام
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 145رمضان
1420 هـ
الإسلام دعوة ومنهاج : دعوة إلى
الله ، ومنهاج لتبليغ هذه الدعوة ، سواءاً كان التبليغ لأناس مؤمنين ، أو
لأناس لم يؤمنوا بعد ، ومنهاج البلاغ هذا ليس مبيناً بالوصف فقط كما في مثل
قوله تعالى : ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن [ [النحل : 125] ، بل وبالمثال أيضاً . والمثال يكون بالطريقة التي
يدعو بها الخالق - سبحانه وتعالى - عباده - كما سنرى في آيات الصيام -
وبالطريقة التي يدعو بها الرسلُ أقوامهم ، كما في مثل قوله تعالى عن نوح :
] ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ... [ [هود : 25 - 34]
والتي يدعو بها الذين ساروا على سنتهم من الإنس كما في مثل قوله - تعالى -
عن مؤمن آل فرعون : ] وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ..[ [غافر :
28 - 34] ، بل ومن الجن كما في قوله تعالى : ] وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن
يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ... [[الأحقاف : 29 - 32] .
ومثل الدعوة في هذا كمثل الصلاة والصيام والحج ؛ فكما أننا نعرف الصلاة
والصيام والحج معرفة علمية نظرية ، ثم نصلي كما عَلِمْنا كيف كان الرسول
صلى الله عليه وسلم يصلي ، ونأخذ عنه مناسك حجنا ، فكذلك نعرف طرق الدعوة
معرفة نظرية علمية ، ثم نعرفها معرفة عملية بمعرفتنا للطرق التي دعا بها
أنبياء الله - تعالى - ودعا بها سائر عباده الصالحين الذين قص الله - تعالى
- علينا قصصهم في هذا المجال . لكن المسائل التي بُينت لنا طرقُها العملية
نوعان : نوع لا يتأتى فعله إلا من العباد كالصلاة والزكاة ، ونوع نسترشد
فيه إلى جانب ذلك بالطريقة التي يعامل الله - تعالى - بها عباده ، كطريقة
الدعوة إليه ، وآياتُ الصيام التي هي
موضوعنا في هذا المقال خيرُ مثال على هذا النوع الأخير . إن الغاية من هذه
الآيات هي أمر المسلمين بصيام شهر رمضان ، ولو شاء الله - تعالى - لأمرنا
بها أمراً مجرداً لا استعطاف فيه ولا تعليل ؛ فهو الرب ونحن عبيده ، ومن
حقه أن يأمرنا بما شاء ، ومن واجبنا أن نطيعه بغير سؤال ولا مراء . لكن
الله - تعالى - أعلم بطبيعة النفوس التي خلقها ، وبأحسن الطرق إلى هدايتها
وعطفها على قبول الحق والعمل به . لذلك نراه - سبحانه - لا يأمر عباده
بالصيام أمراً مجرداً بل يسوق كل الحقائق التي من شأنها أن تعطف قلوبهم إلى
الخير الذي يأمرهم به .
يقول - تعالى - : ] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... [ [البقرة :
183- 187] فيخاطبهم بأحب أوصافهم إليهم . وهذا الخطاب وإن كان خطاباً عاماً
إلا أنه يجعل المستمع الفرد يُؤَمِّل في الدخول في سلك هؤلاء الذين شهد
الله - تعالى- لهم بالإيمان . وهل بعد الشهادة الإلهية من شهادة ؟ وإذا كان
يرجو أن يكون مؤمناً حقاً بعمله بما كتب الله عليه ، فما أقل الصيام من ثمن
لهذا الإكرام !
كما كتب على الذين من قبلكم : بما أن الإنسان قد يتردد في الإقدام على أمر
يراه صعباً ولا يرى له فيه سلفاً ، فإذا تبين له أن الأمر قد جربه أناس
قبله ، فأغلب الظن أنه سيقول لنفسه : إذا كان الصيام قد كتب على من قبلنا
فصاموا ، فما الذي يمنعنا نحن من أن نصوم ؟ وإذا لم نكن أول من جرب الصيام
بل جربه أناس قبلنا ونجحوا في التجربة ، فما الذي يمنعنا نحن من أن ننجح
كما نجحوا ؟
] لعلكم تتقون[ : فالغاية من الصيام
ليست تعذيب الإنسان بمنعه من الطعام والشراب والنكاح ، وإنما أتى هذا المنع
وسيلة ضرورية لغاية شريفة هي التقوى ، والتقوى هي سبيل النجاة من عذاب الله
؛ وهي من ثَمَّ سبيل الفوز بجزائه ومرضاته ، ولهذا كانت التقوى هي الغاية
التي تحققها كل عبادة من العبادات التي أمرنا الله - تعالى - بها .
] أياما معدودات [ : لم يكلفنا الله - تعالى - بصيام السنة كلها ولا
بأكثرها ، وإنما هي ثلاثون يوماً من أيام العام التي تبلغ أكثر من ثلاثمائة
وخمسين يوماً . وكلمة معدودات تعبر عن قلة هذه الأيام . والمؤمن يقول لنفسه
: ولماذا لا أصوم أياماً معدودات وأكسب التقوى التي وعد الله بمنحها لمن
يصومها ؟
]فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر[ : ولأن الغرض من الصيام
هو التقوى لا مجرد تعذيب البدن ؛ فإن الله - تعالى - قد أعفى من صيام هذه
الأيام المعدودات من كان مريضاً أو على سفر ؛ لما قد تسببه هاتان الحالتان
من مشقة زائدة على الأمر العادي .
]شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن[ : والأيام المعدودات التي أمرنا الله
بصيامها هي أيام شهر لا كسائر الشهور ، إنه شهر رمضان الذي شرفه الله -
تعالى- بأن أنزل فيه القرآن ، وذلك أنه كما أن الله - تعالى - أعلم حيث
يجعل رسالته بالنسبة للبشر ، فهو - سبحانه - أعلم حيث ينزل رسالته بالنسبة
للأزمنة ؛ لأنه كما أن بعض البشر أفضل من بعض فإن بعض الأزمنة والأمكنة
أفضل من بعض ] وربك يخلق ما يشاء ويختار[[القصص : 68] . ولهذه المناسبة
القوية بين القرآن وشهر رمضان ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض
القرآن على جبريل في كل رمضان ، ثم إنه عرضه عليه مرتين في العام الذي توفي
فيه صلى الله عليه وسلم . ولهذه المناسبة أيضاً فإنه يستحب لنا الإكثار من
تلاوة القرآن ولا سيما في صلاة التراويح .
]هدى للناس وبينات من الهدى[ : والفرقان هذه أهم خصائص القرآن ، الكتاب
الذي أنزله الله في شهر رمضان . إنه هدى للناس ، وإنه بينات ، بينات من
الهدى ومن الفرقان .
]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[ : إنها لحكمة بالغة أن تنزل هذه
الآية الكريمة ضمن آيات الصيام . إن في الصيام شيئاً من المشقة ، ما في ذلك
من شك ؛ لكن الآية تؤكد لنا أن هذه المشقة ليست مرادة لذاتها ، وإنما هي
مشقة قليلة محتملة تجلب تيسيراً روحياً كبيراً ، هو نيل التقوى ؛ فهي إذن
ثمن قليل يدفعه الصائم لنيل عوض كبير . ولما كان المراد من أوامر الله
ونواهيه كلها هو اليسر لا العسر ؛ فقد أذن - تعالى - بالفطر لمن كان في حال
يكون الصيام فيه عليه عسيراً .
لكن اليسر ليس شيئاً متروكاً لأهواء الناس الذين لا يحيط علمهم بكل عواقب
الأعمال والتروك ، وإنما ينظرون إلى بعض جوانبها دون بعض ، وإلا فلو ترك
أمر اليسر لتقديرات الناس لقال أكثرهم : إن الصيام عسر لا يسر ، وما دام
الأمر كذلك وما دامت أوامر الله - تعالى - ونواهيه مبنية كلها على اليسر ،
فإن المنهج الصحيح للاختيار بين آراء المجتهدين هو أن يختار ما دل الدليل
على أنه أقرب للحق ؛ لأن ما كان أقرب إلى الحق فهو الأقرب إلى اليسر . أعني
أنه لا ينبغي للعالم أن يجعل ما يعتقده يسراً هو المعيار الذي يفضل به
اجتهاداً على اجتهاد ؛ لأن ما يظنه يسراً قد يكون في الحقيقة عسراً ، بل
عليه أن يبذل جهده في النظر في أدلة
المجتهدين ليفضل ما كان منها أقرب للحق موقناً بأن ما كان أقرب للحق ؛ فهو
الأقرب إلى اليسر .
أعاننا الله وإياكم على صيام شهر رمضان ، وجعلنا وإياكم من خير الدعاة إلى
الإسلام .
|