|
تم .. تم .. تم ..
أسلوب جديد ركيك
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 199
, ربيع الأول 1425 هـ
هذا مقال في اللغة العربية لم يشرف
صاحبه بأن يكون من علمائها المختصين بها ؛ غير أنه من محبي هذه اللغة
الشريفة لغة الكتاب العزيز ، يسرني ما سرها ويسوؤني ما ساءها . وإنه لمما
يسيء إليها أن يستبدل أهلها بعباراتها الفصيحة عبارات ركيكة فرضوها عليها
تقليداً للغات أجنبية لم تبلغ من شأو الفصاحة مبلغها ، ثم أشاعوها حتى صارت
على لسان الصغير والكبير والعالم والجاهل .
انتبهت إلى مشكلة ( تمّ ) هذه قبل أكثر من عشر سنوات حين قدم أحد إخواننا
السودانيين الدكتور عثمان أبو زيد رسالة للدكتوراه في الإعلام من جامعة
الإمام ، كانت عن لغة الصحافة العربية . وجد الدكتور أن كلمة ( تمّ ) هي من
أكثر - إن لم يقل أكثر - الكلمات تكراراً في صحفنا . تعجبت لذلك ، ثم بدأت
أرصد لغتنا الحديثة ، فوجدت أن الأمر ليس قاصراً على الصحافة ، بل هو شائع
في كتبنا وأحاديثنا ومحاضراتنا .
نظرت في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم فوجدت أن كلمة تمّ لم ترد في
القرآن كله إلا مرة واحدة ! وأن كلمة تمت وردت ثلاث مرات ، وأما الصيغ
الأخرى : أتم ، يتم ، أتمم ، تماماً ، متمّ - التي ليست موضوع حديثنا - فلم
ترد كلها إلا أربعاً وعشرين مرة . ثم بدأت ألقي بالاً لورود هذه الكلمة
فيما أقرأ من كتب الأقدمين وأشعارهم ، فوجدت أن نسبة ورودها فيها قليلة جداً
ربما كانت كنسبة ورودها في كتاب الله تعالى . قلت في نفسي : ما الذي
اكتشفناه نحن في قرننا المتأخر هذا في هذه الكلمة مما لم يكن يعرفه أهل هذه
اللغة ؟ هل وجدناها هي المعبرة عن معنى جديد هو من لوازم عصرنا ؟ أم ماذا ؟
ثم وجدت الإجابة أمراً مؤسفاً . وجدت أننا صرنا نستعملها في أكثر الأحيان
بدلاً عن صيغة نائب الفاعل المعروفة ؛ فبدلاً من أن نقول : فُعل الشيء صرنا
نقول تم فعله . من أمثلة ذلك ما تسمعه أو تقرؤه في بعض الصحف والقنوات من
مثل قولهم : تم إغلاق مكتب الحزب ، تم اكتشاف دواء جديد ، تم تعيين فلان
للمنصب الفلاني ، تمت ترقية فلان ، لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل
، وهكذا . كان الاستعمال الغالب لهذه الكلمة بمعنى إكمال الشيء الناقص ،
ولذلك لم تكن تستعمل إلا مع الأسماء . من أمثلة ذلك في كتاب الله : ]
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ
مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ ( الأعراف : 142 ) .
] قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى
أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ
[ ( القصص : 27 ) .
] وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ
أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [ ( البقرة : 233 ) .
ومما جاء في الحديث : فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . ومما جاء في
الشعر الجاهلي قول النابغة : أني أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو
الجفنة الأدما قال ابن فارس : « تتميم الأيسار أن تطعمهم فوز قدحك فلا
تنتقص منه شيئاً » .
أما الاستعمال الحديث الركيك فلا علاقة له بإتمام شيء ناقص ، وإنما صارت
الكلمة تستعمل للتعبير عن فعل لم يسم فاعله . كنت أظن أن كل هذا التغيير
حدث خطأ وغفلة ، غير أن بعض الشباب بالجامعة أخبرني آنذاك أن أستاذ الإعلام
في البلد التي جاء منها كان ينهاهم عن استعمال صيغة نائب الفاعل ويصفها
بأنها سخيفة . وينصحهم بدلاً من ذلك بأن يستعملوا صيغة تم فعله . قلت له :
إن أستاذكم هذا لأحمق ؛ لأنه لم يفعل شيئاً غير
أن طوَّل العبارة . فإذا كانت الصيغة التي استسخفها لا تسمي الفاعل فصيغته
أيضاً لا تسميه . كل ما هنالك أنها تستبدل بالكلمة الواحدة ثلاث كلمات .
فبدلاً من أن تقول مثلاً : فهم المقال ، وبيعت السلعة ، وعوقب المجرم ،
تقول تم فهم المقال ، وتم بيع السلعة ، وتمت عقوبة المجرم . بل قال لي
أحدهم إنها تقليد للصيغة الإنجليزية التي يوصف الفعل فيها بأنه كامل أو تام
. فيبدو أن أحد عباقرة المقلدة قال : لماذا لا يكون لنا كما لهم فعل تام ،
فاقترح أن تضاف كلمة تم للتعبير عن هذا التمام ، مع أن كلمة تام لا تستعمل
في العبارة الإنجليزية ، وإنما يوصف بها الفعل في كتب النحو !
إذا أردت أن ترى ركاكة هذا الأسلوب أو التركيب الجديد فانظر ما يحدث لو أنك
عبرت به عن معاني الآيات التالية : ] إِذَا الشَّمْسُ
كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الجِبَالُ
سُيِّرَتْ * وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ *
وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا
المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ
نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ *
وَإِذَا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [ ( التكوير : 1-13 ) .
* كنت ستقول - حماني الله وإياك - : إذا الشمس تم تكويرها ، وإذا النجوم تم
انكدارها ، وإذا الجبال تم تسييرها ، وإذا العشار تم تعطيلها ، وإذا الوحوش
تم حشرها ، وإذا البحار تم تسجيرها ، وإذا النفوس تم تزويجها ، وإذا
الموؤودة تم سؤالها بأي ذنب قتلت ، وإذا الصحف تم نشرها ، وإذا السماء تم
كشطها ، وإذا الجحيم تم تسعيرها ، وإذا الجنة تم إزلافها . فهل يقول مثل
هذا إنسان بقيت له أثارة من حس جمالي ، أو سليقة عربية ؟ كلاَّ . ولذلك فإن
أكثر الناس استعمالاً لكلمة تم بهذا المعنى لا يلتزم بها في كل حال ،
بل يجد نفسه مضطراً للجوء إلى الصيغة الفصيحة [1] . كيف إذن نصحح هذا الخطأ
الذي رسخ في أذهاننا سنين عدة ؟ إن أول خطوة هي أن نكون مقتنعين بخطئه
وقبحه ، ثم إذا كان الواحد منا كاتباً فعليه أن يراجع ما كتب ليحذف منه كل
ورود لكلمة تم بهذا المعنى الغالط ، وإذا كان مصححاً في صحيفة أو دار نشر
فعليه أن يفعل مثل ذلك . ثم على الأساتذة ولا سيما مدرسي اللغة العربية أن
ينبهوا طلابهم إلى هذا حتى لو كانوا هم أنفسهم من الذين يرتكبون هذا الخطأ
.
أكرر أخيراً أن هذا ليس إنكاراً مني لعربية الكلمة كما ظن ذلك بعض من سمعوا
اعتراضي على هذا الاستعمال لها ؛ إذ لا ينكر عربيتها من له أدنى إلمام
بكتاب الله تعالى ، لكننا إنما ننكر وضعها في غير موضعها . وقديما قال
سيبويه : فليس لك في هذه الأشياء إلا أن تجريها على ما أجروها ، ولا يجوز
لك أن تريد بالحرف [ يعني الكلمة ] غير ما أرادوا .
________________________
(1) هذا يذكرني بصيغة استغربت لها في اللغة الملاوية ، كنا في مؤتمر إسلامي
بالعاصمة الماليزية ، وكانت بعض الأوراق تتلى فيه بلغة القوم ، وكنت من
الذين يجلسون ويستمعون مع أنني لا أفهم شيئاً ، غير أنني لاحظت أنهم يكررون
بعض الكلمات مرتين ، فيقول أحدهم مثلاً : كتاب كتاب ، رسول رسول ، ملك ملك
، فلما سألتهم عن ذلك أخبروني بأن هذه هي صيغة الجمع عندهم ، قلت : أفكلما
أردتم جمع اسم كررتم مفرده هكذا مرتين ؟ قالوا : نعم ! قلت : كيف إذن
تترجمون قول الله تعالى :
( إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات
) (الأحزاب : 35) ، فضحكوا وقالوا : هذه ندعها كما هي .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|