|
ماذا يعدون لمواجهة المد الإسلامي ؟
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 200
, ربيع الآخر 1425 هـ
الدول الغربية ولا سيما الولايات
المتحدة حريصة كل الحرص على أن يدوم لها تفوقها المادي ( الاقتصادي
والعسكري ) وتفوقها الثقافي . وهي لا تكتفي لتحقيق هذا باتخاذ برامج داخلية
تضمن لها استمرار التفوق ، لكنها تلجأ أيضاً إلى سياسات خارجية تحاول بها
عرقلة تقدم أي بلد ترى فيه خطراً على تفوقها في هذين المجالين أو أحدهما .
وإذا كانت ترى في الصين و اليابان أمارات لمثل هذا التقدم الذي قد يمثل
خطراً على تفوقها الاقتصادي ؛ فإنها لا ترى شيئاً كهذا في البلاد الإسلامية
ولا سيما العربية منها . إنهم يقولون إن الدخل القوي للبلاد العربية مجتمعة
لا يساوي دخل أسبانيا . وقال أحدهم : إذا استثنينا البترول فإن صادرات هذه
البلاد لن تساوي صادرات بلد أوروبي صغير كفنلندا
. ولكن إذا كانوا يأمنون الآن جانب هذه البلاد من ناحية القوة المادية ،
فإنهم لا يضمنون دوامه بغير تدخل منهم ، ولذلك تجدهم يخططون لاستمرار هذا
التخلف بوسائل كثيرة ليست هي موضوع حديثنا في هذا المقال .
موضوعنا اليوم هو مخططاتهم لمواجهة الخطر الديني الإسلامي ؛ وذلك أنه
بالرغم من تخلف البلاد الإسلامية اقتصادياً وعسكرياً ، فإن الدين الإسلامي
هو الذي يمثل التحدي الأكبر للثقافة الغربية ولا سيما بعد سقوط الشيوعية .
إن الدين الإسلامي هو باعترافهم الآن أكثر الأديان انتشاراً حتى في البلاد
الغربية . بل أقول إنه أكثر انتشاراً لا بالنسبة للأديان فحسب بل بالنسبة
لكل الأيديولوجيات وفلسفات الحياة الأخرى ، وليس في البلاد الغربية فحسب بل
في سائر بلدان العالم . هذا بالنسبة لهم خطر كبير لا بد من إعداد الخطط
للمكر به . إن تفاصيل مكرهم هذا أمر يطول وصفه ؛ لكننا سنركز حديثنا اليوم
على تقرير لمركز البحوث الأمريكي
المسمى راند Rand والذي تنشر البيان ملخصاً له في هذا العدد [1] . لم أكتف
بقراءة هذا الملخص بل اطلعت على التقرير كله في أصله الإنجليزي ، فخطرت
ببالي خواطر كثيرة عنه ، منها :
أولاً : أن الخطط التي يوصي بها هي خطط ظل الغرب يتبعها منذ زمن ؛ فالدراسة
لم تأت في رأيي بشيء جديد لكنها صرحت بما كان متبعاً وعبرت عنه تعبيراً
مفصلاً . إن الإسلام الذي يراه الغرب خطراً عليه هو الإسلام الحق الذي
يستمسك به بعض المسلمين بصدق وجد ويحاولون الدعوة إليه ، وهو الإسلام الذي
يحبه ويؤمن به إذا عرفه كثير من الناس في الغرب ، إنه إسلام القرآن والسنة
. ولذلك تجد أن أكثر من دخل في الإسلام في الولايات المتحدة على الأقل إنما
دخلوا فيه بعد قراءتهم لترجمة من ترجمات هذا الكتاب العزيز .
ثانياً : ولأن التقرير كان صريحاً ؛ فإنه لا يحاول مخادعة المسلمين ، كما
يفعل السياسيون من أمثال بوش أو بلير حين يقولون إن مشكلتنا ليست مع
الإسلام ؛ فهو دين سلام ومحبة وتسامح ، وإنما هي مع أقلية من المنتسبين
إليه من الإرهابيين أو المتطرفيين .
ثالثاً : واضح من الدراسة أن المسلمين مدعوون لا إلى فصل الدين عن الدولة
كما هو الحال في الغرب ، ولكنهم مدعوون إلى فصل الإسلام وإبعاده عن الحياة
كلها . والتقرير يعترف بأن هذا أمر صعب ، لكنه أمر لا مفر منه فيما يبدو .
« إنه ليس بالأمر السهل » يقول التقرير : « أن تبدل ديناً عالمياً كبيراً
كالإسلام . إنه إذا كان ( بناء الأمة ) عملاً مرعباً ، فإن ( بناء الدين )
أشد خطورة وتعقيداً » ومما يدلك على جدهم في محاولة التبديل هذه أن بهذا
التقرير فصلاً كاملاً عن الحديث النبوي يقول فيه عن الحديث : « إنه في أحسن
أحواله أمر مريب متناقض لا يمكن الاعتماد عليه في فض النزاع في أي قضية ؛
لأن كلاًّ من المتنازعين يمكن أن يجد فيه ما يؤيد وجهة نظره . ولذلك فإن
التقرير ينصح بإصدار كتيبات تتضمن أحاديث تؤيد وجهات نظر الحداثيين
والعلمانيين ، حتى لا يبقى عامة المسلمين ضحية
للأحاديث والتفسيرات التي ينشرها بينهم العلماء التقليديون والأصوليون » .
يعتمد التقرير في هذا على كتابات أقوام معروفين بالزندقة وإنكار السنة .
رابعاً : استغربت حين قرأت هذا التقرير عن أي عالم إسلامي يتحدث ؟ أين في
العالم الإسلامي أولئك الحداثيون أو العلمانيون الذين لا تتاح لهم فرص
النشر ، أو الذين ليست لهم منابر عامة يخاطبون منها الجماهير ، أو الذين لا
تؤثر آراؤهم في المقررات المدرسية ؟ أليست هذه الأمور كلها في أيدي
العلمانيين في بلدان العالم الإسلامي كله إلا ما ندر ؟ أليست أنظمة الحكم
في كل بلدان العالم الإسلامي إلا ما ندر أنظمة لا تخفي علمانيتها ؟ عبرت عن
استغرابي هذا لأحد إخواننا السعوديين فابتسم وقال : إن هذا التقرير إنما
يتحدث عن السعودية . فكرت في محتويات التقرير مرة أخرى فأيقنت أن سهامه
موجهة فعلاً نحو السعودية . خامساً : قلت في نفسي : أخشى أن يظن بعض من
يقرؤون هذا التقرير ممن لا يزالون يحسنون الظن بأمثال هذه المؤسسات الغربية
أن الديمقراطية التي يدعو العالم الإسلامي إليها هي الديمقراطية بمعنى
الرضى بحكم الشعب . أقول لهؤلاء : هَبُوا أن دولة كالسعودية قالت للغربيين
: تريدون ديمقراطية ؟ حسناً ! فلنفعل كما فعلتم أنتم معاشر الأمريكان .
لندع ممثلين للشعب من كافة مناطقهم الجغرافية ، ولنقل لهم : صوغوا لبلدكم
دستوراً كما فعل الأمريكان ؛ ولنفترض أن هؤلاء الممثلين اجتمعوا فكان أول
ما ذكَّروا به أنفسهم واجتمعت عليه كلمتهم أنهم
ليسوا سعوديين فقط لكنهم مسلمون أيضاً ، وأن إسلامهم هذا هو جوهر هويتهم ،
ومعتمد جماعتهم ، ومصدر عزهم وكرامتهم ، وسبب تقدير الأمة الإسلامية لهم ،
وأنهم يؤمنون لذلك بأن دستورهم الأعلى الذي يحكم حياتهم ويهيمن على كل ما
يصدرون من وثائق هو نصوص الكتاب وصحيح السنة ، وأنه ينبغي لذلك أن لا يكون
قرروا في نظام حكمنا ولا في قوانيننا ، ولا في مناهجنا الدراسية ، ولا في
سياستنا الخارجية ، ولا في أي جانب من جوانب حياتنا ما هو مخالف لما في
هذين المصدرين . هب أنهم جلسوا بعد ذلك وتداولوا لعدة أسابيع خلصوا في
نهايتها إلى صياغة دستور ، ثم عرضوه على شعبهم في استفتاء عام ، شهد عليه
مراقبون محايدون من هيئة الأمم ، فكانت النيجة أن أجازته الأغلبية
الساحقة من المواطنين . هل يرتاب أحد بعد هذا في أن هذا الدستور جاء بطريقة
ديمقراطية ، وأن على من كان يؤمن بالديمقراطية أن يرضى به للشعب السعودي
مهما خالفهم الرأي ؟ كلاَّ . ولكن هل تظنون أن سيرضى الغرب أو ترضى أمريكا
بذلك ؟ كلاَّ ثم كلاَّ . لا تنسوا أنهم لا يتكلمون عن الديمقراطية بهذه
الصفة العامة التي ذكرناها ، إنهم لا يتحدثون عن ديمقراطية تكون فيها
الكلمة للأمة مهما كانت تلك الكلمة . إنهم يريدون نظاماً أشبه ما يكون
بنظامهم ، وقيماً أشبه ما تكون بقيمهم ولا سيما في الموقف من الدين ومن
العلاقة بين الجنسين . هذه في رأيهم هي الديمقراطية الليبرالية التي لا
ديمقراطية حقيقية غيرها . ألا تذكرون ما قال ( بريمر ) للعراقيين من أن
هنالك خطوطاً حمراء يجب أن لا يتخطاها مجلس الحكم في وضعه لمسودة الدستور ،
وأن من هذه الخطوط فصل الدين عن الدولة . وأن الديمقراطية التي يريدونها
للعراق
هي ديمقراطية على المنوال الأمريكي ؟ أو الغربي ؟ إن شعارهم هو : كونوا
أحراراً ، لكنكم لن تكونوا في حكمنا أحراراً إلا إذا اخترتم لأنفسكم ما
اخترنا نحن لأنفسنا ، إلا إذا كانت طريقة حياتكم كطريقتنا ، إلا إذا لم يكن
في ما اخترتموه ما نرى فيه مهدداً لقيمنا وثقافتنا ومصالحنا . فيما عدا ذلك
فأنتم أحرار جد أحرار .
سادساً : مما يدلك على هذا أنهم ليسوا راضين حتى عن من كان من العلمانيين
منا غير معجب بهم . يقول التقرير إنه بما أن العلمانيين يؤمنون مثلنا بفصل
الكنيسة عن الدولة « فقد كان المفروض أن يكونوا الحلفاء الطبيعيين لنا في
العالم الإسلامي . لكن المشكلة كانت وما تزال أن كثيراً من العلمانيين
المهمين في العالم الإسلامي لا يوادوننا ، بل قد يكونون شديدي العداوة لنا
لأسباب أخرى » .
سابعاً : ما الثقافة التي يدعوننا إليها ؟ إنها ليست العلوم التي كانت من
أسباب تقدمهم المادي ، وإنما هي الكفر والعري والزنا والشذوذوالمخدرات
والفردية التي هي من علامات تدهور حضارته لا من أسباب قوتها . لذلك تجد
بعضهم يقول إنه لا خوف على حضارتنا من حضارة أخرى معاصرة ، وإنما الخوف
عليها من الانتحار الذي بدأت تمارسه ويشيرون إلى مثل أنواع السلوك تلك .
ماذا نفعل ؟ هل نستجيب ونخنع ؟ فوالله لن يزيدهم هذا إلا احتقاراً لنا ،
وتمادياً في إذلالانا ، ودأباً على الوقوف في طريق تقدمنا الاقتصادي
والتقني والعسكري .
فلنقل لهم : لقد رضينا بأن نعيش معكم في سلام ، وأن من يعتدي على الأبرياء
منكم ومنا لا يمثلنا ولا يعبر عن رأينا . لكنا لن نرضى بأن يكون هذا
التعايش تعايشاً بين سادة وعبيد ، أو محتلين ومواطنين ، أو منتجين ومستغلين
] وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [
( الحج : 40 ) .
________________________
(1) انظر (ص 100) من هذا العدد .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|