|
الإنصاف في معاملة غير المسلمين
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 175
, ربيع الأول 1423 هـ
أصبح من بدهيات عصرنا أننا نعيش
اليوم في عالم تشابكت فيه مصالح الأمم ؛ فلم يعد من الممكن لواحدة منها
بلغت من القوة ما بلغت أن تنعزل مستقلة عن غيرها مستغنية بنفسها . فنحن إذن
محتاجون إلى معالم نهتدي بها في تعاملنا مع غيرنا معاملة نحقق بها مصالحنا
ولا نساوم بها على ديننا . أول معلم يهدينا إليه كتاب ربنا هو أن معاملتنا
لغيرنا يجب أن تؤسس على الحقائق ، حقائق الدين المتلوة ، وحقائق الواقع
المشهودة . من أمثلة الحقائق الواقعية التي يخبرنا بها ربنا ويأمرنا أن
نبني عليها تعاملنا قوله - تعالى - : ] إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ
أَصْحَابِ السَّعِيرِ [ ( فاطر : 6 ) . أي إنه إذا كان الشيطان عدواً فيجب
أن تكون معاملتك له مبنية على هذه الحقائق ، لا على أمور عنه تتوهمها .
والحقائق الواقعية يمكن أن يدركها البشر إدراكاً مباشراً ، كما
يمكن أن يعرفوها بخبر الله - تعالى - في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله
عليه وسلم . وأخبار الله - تعالى - صادقة ، والخبر الصادق هو المطابق
للواقع ، وإلا فهو كاذب . فما الحقائق المشهودة التي يخبرنا بها ربنا أو
نشاهدها بأنفسنا عن غير المسلمين ممن يساكنوننا هذه الأرض في عصرنا هذا ؟
أول ما نتعلمه من ديننا ويؤكده لنا واقعنا أنهم وإن كانوا جميعاً غير
مسلمين لكنهم ليسوا سواء في قربهم وبعدهم من حقائق الدين ، وليسوا سواء في
معاملتهم للمسلمين . وإذا كانت هذه حقيقة فيجب أن لا نغفلها في تعاملنا
معهم . يجب أن نعامل كل فرد أو جماعة منهم بحسب ما نعرفه من حالهم . وهذا
ليس إنصافاً لهم فحسب لكنه أمر ضروري لتحصيل كثير من المصالح ودفع كثير من
المفاسد . لكننا كثيراً ما نجنح إلى التعميم حيث يكون التمييز هو الأنسب ،
وكثيراً ما نذكر آيات تدل على هذا العموم ونغفل الآيات التي تخصصه أو تقيده
.
من القريب منا ومن البعيد من اليهود والنصارى وسائر المشركين ؟ سيسارع
بعضنا إلى تذكيرنا بمثل قول الله تعالى : ] وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ
وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [ ( البقرة : 120 ) .
ويريد أن يستدل بهذا على أن ما قال ربنا سبحانه ينطبق على كل فرد فرد منهم
، وأن معاملتنا لهم يجب إذن أن تكون كلها مرتكزة على هذه الحقيقة ، لكن
كتاب ربنا نفسه يدلنا على خطأ هذا الفهم . إن صيغة الآية صيغة عموم ما في
ذلك شك ، لكنها مخصوصة بآيات أخرى ، وبواقع نشاهده . فكتاب ربنا يخبرنا ان
بعض النصارى يسلمون . ] وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ [
( المائدة : 83 ) .
فهؤلاء نصارى لكنهم لم يكونوا من النوع الذي لا يرضى عنا إلا إذا اتبعنا
ملته ، بل اعترف بأن ملتنا هي الحق ، وهداه ربه إلى قبول هذا الحق . وما
أخبرنا به ربنا في القرآن الكريم ما نزال نشاهده في أفراد من النصارى
يسلمون ويبكون حين يسلمون . وما يقال عن النصارى يقال أيضاً عن اليهود ،
فإن منهم أيضاً من هداه الله تعالى إلى الإسلام من أمثال الصحابي الجليل
عبد الله بن سلام الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة
. وما يقال عن تلك الآية يقال أيضاً عن آيات أخرى عمومها الظاهري
مخصوص . من ذلك قوله - تعالى - : ] وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ
اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ ( التوبة : 30 )
.
كنت أفهم هذه الآية الكريمة على عمومها الظاهري هذا ، فكتبت كتيباً باللغة
الإنجليزية منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً استدللت فيه بها على أن اليهود
يؤلهون عزيراً كما النصارى يؤلهون عيسى . فعجبت عندما أخبرني الإخوة
الناشرون بأنه جاءتهم احتجاجات من بعض اليهود على ما نسبته إليهم ،
وطالبوني بالدليل . ولم يكن لدي من دليل غير القرآن الكريم . لكن أحد
إخواننا السودانيين الدكتور إبراهيم الحاردلو ممن درسوا العبرية وتاريخ
اليهودية ، أخبرني أن أستاذه اليهودي نفسه كان قد استغرب مما ذكره القرآن
الكريم ، لكنه ذهب وراجع كتب تاريخهم ، ثم جاء ليقول للأخ إنه كان بالفعل
هنالك جماعة من اليهود في المدينة في ذلك الوقت
يؤمنون بأن عزيراً ابن الله . وعندما راجعت كتب التفسير وجدت ما فيها
مطابقاً لما قال ، فابن كثير مثلاً يقول بعدما ذكر عن السدي قصة طويلة عن
عزير : ( فقال بعض جهلتهم إنما صنع ذلك لأنه ابن الله ) . ويقول صاحب
التحرير والتنوير : (والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة
وتبعهم كثير من عامتهم ) ، كل هذا يدلك على أنه من الخطأ أن تفهم الآية
الكريمة على عمومها الظاهري فيظن أنها تنطبق على كل فرد ينتسب إلى اليهودية
؛ لأن من اليهود المحدثين من لا يعلم أن بعضاً من سلفه كان يقول هذا . فكيف
ينسب إليه قولهم ؟ وقد أعجبني في هذا الصدد إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية
حين فرق بين من حرف ومن لم يحرف من
أهل الكتاب فقال : ( وعلى هذا فإذا كان بعض أهل الكتاب قد حرفوا بعض الكتاب
، وفيهم آخرون لم يعلموا ذلك فهم مجتهدون في اتباع ما جاء به الرسول ، لم
يجب أن يجعل هؤلاء من المستوجبين للوعيد ) [1] . بل إن في واقعنا اليوم ما
هو أغرب من هذا ، فهنالك اليوم آلاف مؤلفة ممن ينتسبون إلى النصرانية في
أمريكا لكنهم لا يؤمنون بأن عيسى ابن الله !
أسوق كل هذا لأقول إننا يجب أن نعامل الناس بحسب الحقائق التي نعرفها عنهم
، ولا نلزمهم باعتقاد ينكرونه مستدلين على ذلك بالقرآن الكريم . كيف أفعل
مع إنسان يزعم أنه نصراني لكنه يصرح بأنه لا يعتقد بأن المسيح ابن الله ؟
هل أقول له ما دمت نصرانياً فلا بد أن تؤمن بأنه ابن الله ؛ لأنه هكذا
أخبرنا كتاب ربنا ؟ في مقابل هذا إذا وجدت من يزعم أنه يهودي أو نصراني
لكنه لا يؤمن بضرورة الذبح مثلاً فلن آكل طعامه ؛ لأن طعامه إنما أحل لنا
بسبب أنهم يذبحون . أما الذي نعلم أنه لا يذبح فطعامه حرام حتى لو كان
مسلماً ؛ فكيف إذا كان يهودياً أو نصرانياً ؟ وبمثل هذا السبب لم يعامل
المسلمون نصارى بنى تغلب معاملة النصارى ؛ لأنهم
كما قال عنهم أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - : ( لم يتمسكوا بشيء من
النصرانية إلا بشرب الخمر ) [2] .
نعم إذا وجدت فرداً أو جماعة من اليهود أو النصارى يتصفون بمثل صفات اليهود
والنصارى الذين قال الله - تعالى - عنهم إنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم
، أو أنهم شديدو العدواة لنا ، فلن أصدق إنكارهم لهذا ؛ لأن هذه حالات
قلبية يمكن أن يكونوا فيها كاذبين . بل لا بد أن يكونوا كاذبين إذا كان
حالهم الظاهري يشبه حال الذين تحدث عنهم القرآن الكريم . إذا أردنا أن
نعامل غيرنا معاملة منصفة ، والمعاملة المنصفة هي دائماً في مصلحتنا ، فلا
بد لنا من معرفة مثل هذه الحقائق وتذكرها والالتزام بها في معاملتنا لهم
ولا سيما في القضايا الكبيرة مثل قضية فلسطين . إن بعض اليهود وإن كانوا
قلة هم معنا في عداوتهم للحركة الصهيونية ، بل وفي إنكارهم لقيام دولة
إسرائيل ؛ فهل من الإنصاف لهم ، وهل من مصلحتنا أن نقول لهم إننا لا نفرق
بين يهودي وصهيوني في حربهم لنا ؟ إن من الأمريكان ومن الأوروبيين من
يهودهم ونصاراهم ومشركيهم من هم مع الحق الفلسطيني وضد الاعتداء الصهيوني ،
وهم
لا يستخفون باعتقادهم هذا بل يستعلنون به كلاماً وكتابة ومواقف عملية ،
أفليس من حقهم علينا أن نشكرهم على هذا ، بل ونكافئهم إن استطعنا ؟ ثم أليس
من مصلحتنا أن تنشق صفوف المعتدين ويكثر عدد المنصفين ؟ كيف إذا سمع أمثال
هؤلاء أن بعض المتدينين منا هم الذين لا يقدرون لهم هذا المعروف ، وهم
الذين لا يميزون بين معتد ومنكر للاعتداء ومحايد لا هو معنا ولا ضدنا .
أليس في هذا فتنة لهم ؟ ما هكذا كان يفعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
. ألم يقل يوم بدر عن أسارى المشركين : ( لو كان المطعم بن عدي حياً ثم
كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له )
كان سيفعل هذا مكافأة له لأنه كما قال الحافظ ابن حجر : ( كان من أشد من
قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين
حين حصروهم في الشعب ) [3] .
إن الذي ينبغي أن نتذكره نحن المسلمين أن ديننا يخبرنا بأن كل إنسان يولد
حين يولد على الفطرة ، وأن الشر الذي يتلبسه طارئ عليه . والشر الطارئ
يختلف قوة وضعفاً من إنسان لإنسان . وقل أن تجد إنساناً فقد كل الخير الذي
فطره الله عليه ، فعاد لا يرى المعروف إلا منكراً والمنكر إلا معروفاً .
كلاَّ ؛ فعامة الناس فيهم شيء من نبض الفطرة ؛ ولذلك يسلم بعضهم حين تتبين
له الحقيقة . ولذلك تجد فيهم الكريم والمنصف والشجاع في قول الحق . فعلينا
أن نستثمر هذه الصفات الحسنة في الناس ونجازيهم عليها ؛ فذلك خير لنا ، وهو
من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم .
________________________
(1) الجواب الصحيح ، ج 2 ، ص 295 .
(2) تفسير الطبري .
(3) الفتح ، ج 7 ، ص 325 .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|