|
الانفراط العظيم الأسباب والآثار
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 144شعبان
1420 هـ
هذا أوان أن نرجع إلى الانفراط
العظيم ونتساءل : ما الذي سيحدث بعد هذا ؟ هل كُتب علينا أن ننحدر إلى
مستويات أدنى فأدنى من الفوضى الاجتماعية والخلقية ؟ أم أن هناك سبباً
معقولاً يدعونا لأن نتوقع بأن هذا الانفراط حالة طارئة ، وأن الولايات
المتحدة والدول الأخرى التي عانت منه ستنجح في أن تكون لها قيم من جديد ؟
وإذا حدثت هذه الإعادة للقيم ، ففي أي صورة ستكون ؟ هل ستحدث تلقائياً ، أم
أنها ستتطلب تدخل الدولة عن طريق السياسات العامة ؟ أم أنه لا بد لنا من أن
ننتظر حدوث بعث ديني لا يمكن التكهن بمداه ، ولا يمكن السيطرة عليه ، لنعيد
القيم الاجتماعية ؟
هكذا بدأ الكاتب الأمريكي فوكوياما الفصل الأخير من كتابه (الانفراط العظيم)
الذي كان قد قدم له بعدة فصول استغرقت أكثر من مائة صفحة ، كان قد ذكر فيها
مصادر النظام الاجتماعي ، وحصرها في أربعة هي : الطبيعة البشرية ، والتنظيم
الذاتي ، والدين ، والسياسة ، ثم تساءل هنا : عن أي مصدر منها سنستمد في
المستقبل ؟ سنذكر فيما يلي رأي الكاتب ملخصاً مع تعليقات على بعض فقراته .
هل سيستمر الانحدار ؟ يجيب الكاتب بأن الانفراط العظيم الذي حدث في المدة
التي حددها ليس نهاية المطاف ، بل إنه ستكون عودة إلى القيم اللازمة
للمجتمع . لماذا ؟ لأنه قد حدث مثل هذا الانفراط من قبل في التاريخ
الأوروبي والأمريكي ، بل وفي اليابان ؛ لكنه لم يستمر ؛ بل عاد الناس بعده
إلى الالتزام بالقيم الضرورية لكل مجتمع إنساني
. فهل سيحدث مثل هذا الرجوع إلى تلك القيم الآن كما حدث من قبل ؟ يتفاءل
الكاتب بأن هذا سيحدث ، بل يرى أنه بدأ يحدث فعلاً ؛ فمعدلات الزيادة في
الجريمة ، والطلاق ، والأطفال غير الشرعيين ، وفقدان الثقة ، بدأت تتباطأ
كثيراً في التسعينات ، بل إن بعضها انعكس . كما أنه حدث تحول بقدر مائة
وثمانين درجة في آراء الأكاديميين بالنسبة للقيم ؛ فهم الآن يقولون : إن
القيم وتركيب الأسرة تؤثر تأثيراً كبيراً في ما يحدث في المجتمع . إن فترة
تعاظم الفردية قد انتهت ، وبعض القيم التي محتها فترة الانفراط بدأت تعود ،
وبدأت أصوات مؤثرة تنادي بضرورة الانضباط في السلوك وتحمل مسؤوليات الأسرة
والأطفال . وهذه الأصوات أشد ما تكون مخالفة لما كان يقوله المعالجون
النفسيون للناس في الستينات والسبعينات . لقد كانوا ينصحونهم بمماشاة
شهواتهم ، وأن لا يلقوا بالاً للضوابط الاجتماعية التي تقف في طريق " نموهم
الشخصي " . وهو يرى أن هذا الاتجاه سيستمر . لماذا ؟ لأن الناس بطبيعتهم
حيوانات اجتماعية ، وهم إلى ذلك صناع عقلانيون للقيم الحضارية . والفطرة
والعقلانية يعين كلاهما على نمو الفضائل العادية مثل : الأمانة ، والثقة
اللذين يكونان أساس الرأسمال الاجتماعي . ويضرب مثلاً على ذلك بالقيم
المتعلقة بالأسرة . لقد حدث تغير هائل بعد الستينات في القيم التي تضبط
سلوك الرجال والنساء فيما يتعلق بالأسرة ، تغيرٌ كانت نتيجته الإضرار
بمصالح الأطفال : فالرجال عزفوا عن الأسر ، والنساء أنجبن بطريقة غير شرعية
، والأزواج تفارقوا لأتفه الأسباب . وكثيراً ما تضاربت مصالح الآباء
والأبناء ؛ فالوقت الذي يُقضى في أخذ الولد إلى المدرسة أو الملعب ، يكون
على حساب وقت يُقضى في وظيفة ، أو مع صديقة ، أو في أي نشاط ترفيهي . لكن
الوالدين لهم مصلحة فطرية في العناية بأطفالهم ، فإذا ما بُيِّن لهم أن
سلوكهم هذا يضر بأولادهم ، فمن المحتمل أن يغيروا سلوكهم تغييراً يكون فيه
عون للأولاد . لكن الوصول إلى مثل هذا القرار العقلاني لا يتأتى آلياً ؛
ففي فترة الانفراط العظيم أفرزت الثقافة العامة صوراً إدراكية أعمت الناس
عن رؤية الآثار الضارة لسلوكهم حتى على أقرب الناس إليهم ؛ فقد كان علماء
الاجتماع
يقولون لهم : إن النشأة في أسرة مفككة ليس بأضر من النشأة في أسرة متماسكة
. بينما كان المختصون في معالجة المشكلات الأسرية يطمئنونهم بأنه من الأفضل
للأطفال أن يتفرق الوالدان بدلاً من أن يبقيا متشاكسيْن . وقالوا لهم بأن
سعادة أبنائكم في سعادتكم ، فلا بأس عليكم من أن تقدموا مصلحتكم على
مصلحتهم . هذا وكانت الثقافة العامة تصبُّ على الوالدين وابلاً من الأفكار
التي تبرز الجنس بطريقة فاتنة ، وتصور الحياة العائلية التقليدية بأنها
مرتع للنفاق ، والقهر والخبث . إن تغيير هذا كله يحتاج إلى نقاش ، وحجج ،
بل وحروب ثقافية . لكن الكاتب يذكرنا بأن النظام الاجتماعي لا يعاد تكوينه
بجهود الأفراد وحدها ، بل لا بد من أن تساعد عليه السياسة العامة للدولة ،
عن طريق قوات الأمن وعن طريق التعليم . يبدو من هذا الذي ذكره الكاتب أن
السبب الحقيقي للانفراط لم يكن في التطور التقني
كما تقول نطريته التي بسطها في بداية كتابه ، وإنما كان في بعض الأفكار
الضالة التي قُدِّمت للناس باسم بعض العلوم فصدقوها . وهذا يعني أنه لو
كانت قد شاعت بين الناس أفكار صحيحة فلربما لم يكن للتطور التقني تلك
الآثار التي ذكرها . كان بإمكان الناس أن يستفيدوا من حبوب منع الحمل مثلاً
من غير أن تشجعهم على الإباحية الجنسية .
يتساءل الكاتب : إلى أي مدى ستستمر هذه العودة إلى القيم ؟ من المحتمل -
فيما يرى - أن نرى تغيراً في مستويات الجريمة ، ومستوى ثقة الناس بعضهم
ببعض وبالمؤسسات والحكومات ، أكبر مما نرى في القيم المتعلقة بالجنس ،
والإنجاب ،والحياة الأسرية ؛ لأن التطور التقني
والاقتصادي جعل الرجوع إلى القيم السابقة بالنسبة لهذه الأخيرة أمراً في
غاية البعد ؛ لأن الخوف من الحمل قد زال بسبب الحبوب ، ولأن الخوف من أن
يعيش الطفل غير الشرعي حياة بائسة قد زال بسبب عمل المرأة وبسبب الإعانات
الحكومية . وقلة الإنجاب لن تتغير ؛ لأن الوالدين يريان أن من مصلحة
أولادهم أن لا تكثر أعدادهم .
وما يقوله الكاتب هنا مبني على تصور غالط لمضار العلاقات الجنسية غير
الشرعية . إن مضارها ليست محصورة فيما ذكر ؛ بل إنها لتؤثر على العلاقة بين
الزوجين وتتسبب في الطلاق ، وفي اختلاط الأنساب ، كما تؤثر على العلاقة بين
الوالدين وأبنائهم ، بل إن هذه الفاحشة لتؤثر تأثيراً نفسياً سيئاً على كل
مرتكب لها . والفردية التي عدها الكاتب من أسباب الانفراط لا علاقة ضرورية
بينها وبين التطور التقني ، بل كان بإمكان الناس أن يبقوا على أريحيتهم وهم
يتطورون تقنياً . لكن الذي يرجوه الكاتب هو أن تتغير القيم المتعلقة بعمل
المرأة . إن القيم السائدة الآن - ولا سيما في البلاد الاسكندنافية - تعلي
من قدر المرأة التي تعمل ، وتنظر باحتقار إلى التي تبقى في البيت . فإذا ما
تبين أن عدم بقاء الأم مع أطفالها الصغار ضار بهم فإن هذه القيمة الشائعة
الآن قد تتغير فيما يرى . وقد يساعد عصر المعلومات في حل إشكال عمل المرأة
بأن يمكنها من أن تعمل من داخل بيتها . وكما كان للدين تأثير في إعادة بناء
المجتمع في الماضي فيتوقع أن يكون له تأثير الآن ، لكن الرجوع إلى الدين
هذه المرة لن يكون رجوعاً إلى التصديق
بالوحي ، بل سيكون رجوعاً إليه بسبب تأثيره الحسن على الحياة الاجتماعية .
يبدو أن الكاتب ليس رجلاً متديناً ؛ لكنه مع ذلك يعترف في كتابه بما للدين
من تأثير في ما سمي بالرأسمال الاجتماعي . فالدين في رأيه هو الذي جعل
القيم قيماً إنسانية عالمية ، لا قيماً فردية أو أسرية أو قبلية . لكنه
يعتقد - كما رأينا - بأنه من غير المحتمل أن ترجع المجتمعات الحديثة إلى
التصديق بحقائق الدين . لكن قيم الدين مبنية على الإيمان بحقائقه ؛ فهي
تابعة لهذا الاعتقاد ومنبثقة عنه ، فإذا ضعف أو انعدم الإيمان بحقائقه ضعف
أو انعدم الإيمان بالقيم الخلقية المتصلة به . إن مشكلة الغربيين أنهم
يفترضون أن كل ما يصدق على الدين الذي عرفوه يصدق على الأديان الأخرى ،
فكأن الأديان كلها عندهم دين واحد هو الدين النصراني . ومن البداهة أن هذا
ليس بصحيح ، وإذن فإن التطور العلمي والعقلاني الذي أدى إلى ضعف الإيمان
بالنصرانية لن يؤدي بالضرورة إلى ضعف الإيمان بالإسلام ، بل المتوقع أن
يؤدي إلى الإيمان به ، لما يجده فيه من يعرفه من عدم التناقض مع مقتضيات
العقل ، أو المخالفة لحقائق العلم . فلماذا لا يكون الرجوع
إلى القيم اللازمة للمجتمعات عن طريق هذا الدين الذي لا يجد الشخص المعاصر
مشكلة في الإيمان بحقائقه ؟ هذا الذي نتوقع أن يحدث : ] سنريهم آياتنا في
الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [ [{فصلت : 53] . }
يختم المؤلف كتابه بتخوفه على المجتمعات الليبرالية السائدة في الغرب الآن
؛ وذلك لسببين :
أولهما : القيم الخلقية الوحيدة التي تقدمها الليبرالية للمجتمع هي قيم
التسامح والاحترام المتبادل . لكن حين تتحول هذه القيم إلى عودة إلى التعدد
الثقافي بدلاً من التسامح معه ، وحين تصل النسبية الخلقية إلى غايتها ، فإن
الليبرالية تكون قد بدأت تتسبب في انهيار الأرض التي تقف عليها .
وثانيهما : أن التطور قد يجعل الالتزام ببعض القيم عسيراً مع أنها لازمة
للمجتمع ، فإذا ما تسارع هذا التطور لم يعط الناس فرصة للتكيف ، فتكون
النتيجة تأثيراً سيئاً على المجتمعات . ونختم نحن تعليقنا بتكرار القول بأن
في الحقائق التي ذكرها الكاتب ما يؤكد
أن علة العلل بالنسبة للمجتمعات الغربية ليست في التطور التقني متسارعاً
كان أم متباطئاً ، وإنما هي في بعدهم عن الدين الحق الذي يمدهم بالقيم
الفاضلة ، واستعاضتهم عنه بأفكار قد ثبت الآن بطلانها وعقمها الخلقي .
وعليه فلا حل لمشكلة التدهور الخلقي الذي صحب التطور العلمي والتقني إلا في
الاستمساك بدين لا تتناقض مقرراته مع الحقائق العلمية ولا تتنافى مع
القوانين المنطقية .
والله الهادي إلى سواء السبيل
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|