|
الاعتبار بمآلات معاصي الكفار
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 177
, جمادى الأولى 1423 هـ
خلق الله الإنسان روحاً وجسداً ،
ذكراً وأنثى ، فرداً وجماعة . وكما جعل لجسده تركيباً معيناً ذا خصائص
معينة لا يصلح لها إلا نوع خاص من الطعام والشراب والهواء ودرجات الحرارة
وغير ذلك ، جعل لروحه أيضاً تركيباً خاصاً لا يصلح له إلا نوع معين من
المعتقدات والأحوال والأقوال والأعمال . ثم جعل بين الجسد والروح علاقة
تبادل وتكامل ، وكذلك بين الذكر والأنثى والفرد
والجماعة . ثم جعل بين كل هذه الصور الإنسانية علاقات ، ثم جعل بينها وبين
عالم الملائكة و الجن والطبيعة علاقات معينة لا يعلمها على حقيقتها وبكل
تفاصيلها إلا هو سبحانه : ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
[ ( البقرة : 232 ) . فالله يخبرنا أن بعض أعمالنا تؤثر في الطبيعة : ]
ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس
[ ( الروم : 41 ) ، والفساد المقصود هنا هو الفساد الطبيعي المادي لا
الفساد الخلقي ، بل هو ناتج عن الفساد الخلقي المشار إليه بقوله تعالى : ]
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس [ ( الروم : 41 ) ، ولأعمالنا تأثير على
الملائكة لأنها كما يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم : « إن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم » [1] ولأنها لا تدخل بيتاً
فيه صورة كما يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً . ولأعمالنا أيضاً
تأثير على الجن ، ولأعمال الأفراد منا تأثير على المجتمع ؛ ولذلك حرم الله
أشياء مثل السرقة والظلم والبغي . ولتصرفات الرجال تأثير على النساء كما
لتصرفات النساء تأثير على الرجال : « لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما
الشيطان » [2] . ثم أرسل رسله بشرع يحقق للناس مصالحهم الروحية والجسدية ،
الدنيوية
والأخروية ؛ لأنه شرع قائم على علم المشرِّع الخالق سبحانه علماً محيطاً
بكل تلك الخصائص والعلاقات ، وما يصلح لها وما لا يصلح من تصرفات الناس
الاختيارية : ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح [ ( البقرة :
220 ) . والذين يستمسكون بشرع الله تعالى وإن لم يعلموا تفاصيل الأسس التي
بناها الله تعالى عليها يجدون في تجربتهم مصداق ما وعد الله به من الآثار
الحميدة لهذا الشرع في حياتهم ، حتى إن قائلهم ليقول : لو علم الملوك ما
نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف . وكما يعرف المؤمن بتجربته الآثار الطيبة
للطاعة فإنه يعرف بتجربته أيضاً كثيراً من الآثار السيئة للمعاصي التي لا
يبرأ منها أحد ، وإن اختلفوا فيما يقترفون منها صغراً وكبراً ، كيف و « كل
ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون » [3] . لكن الآثار العظيمة للمعاصي
كبيرها وصغيرها إنما تظهر في المجتمعات الكافرة الغافلة غفلة كاملة عن شرع
الله عقيدة وعبادة وخلقاً وسلوكاً وحياة اجتماعية وسياسية واقتصادية .
وكلما كثرت المعاصي وكلما طال أمد مقارفتها والجهر بها واعتيادها كان ظهور
آثارها السيئة أكبر وأبين . وإنه لمما يزيد إيمان المؤمن بصدق الرسالة
النبوية وتحقيقها للمصالح البشرية أن يرى هذه الآثار السيئة لمخالفتها .
إن الاعتبار بالواقع طبيعياً كان أم اجتماعياً منهج إسلامي أصيل ترشد إليه
كثير من نصوص الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى : ] قُلْ سِيرُوا فِي
الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ [ (
الأنعام : 11 ) ، ] قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ [ ( النمل : 69 ) . وذلك أن المصالح التي وضعت
الشريعة لتحقيقها والمفاسد التي وضعت للتحذير منها ما هو أمر ظاهر
يمكن مشاهدته ، ويسهل لذلك الاعتبار به . ولذلك ندب الله تعالى عباده
المؤمنين إلى الاعتبار بأحوال الكفار ومصائرهم . ونحن نعيش في عصر عمت فيه
بلوى البعد عن شرع الله في مجتمعات كاملة كالمجتمعات الغربية . لذلك أرى
أنه من واجبنا وخدمة لديننا وتحقيقاً لمصالحنا أن نعنى بمآلات معاصيهم
وندرسها ونتدبرها وننشرها بين الناس مسلمين وغير مسلمين ، بل أن نجعل هذا
الاعتبار بتجارب الغربيين الكفار علماً قائماً بذاته نحشد له جهودنا جمعاً
لمواده وتصنيفاً ، وتفسيراً علمياً لها ، ودعوة إلى الاتعاظ والاعتبار
بها . ونحن لا نحتاج لتحقيق ذلك أن نقوم بإجراء بحوث ميدانية في المجتمعات
الغربية ؛ فقد كفونا هم مؤونة ذلك . فمن حسنات منهجهم العلمي في مجال
الدراسات الاجتماعية أنهم يبحثون في الآثار المترتبة على أعمالهم ، ويحاول
علماؤهم أن يكونوا في ذلك محايدين لا تصدهم آراؤهم الشخصية عن نشر نتائج ما
وصلوا إليه من دراسة وتجارب . فحياة الغربيين التي يمارَس فيها ما حرم الله
تعالى ينبغي أن تكون بالنسبة لنا كما ذكرت في مناسبة سابقة كالتجربة التي
يسميها العلماء الطبيعيون التجربة الحاكمة ( experiment control ) . ما
أكثر المادة العلمية المتعلقة بتأثير المعاصي على حياة الغربيين ، معاصي
الزنا والشذوذ وشرب الخمر وتعاطي المخدرات واختلاط الرجال بالنساء والسفور
، بل وحتى تولي المرأة لعمل الرجال ، وتولي الرجال لأعمال النساء .
ولكي يفي هذا العلم المقترح بشروط العلم فينبغي أن يكون اعتماده على
الحقائق التي اكتشفها الغربيون بالوسائل العلمية ، وأن توثق هذه الحقائق
بذكر مراجعها ، وأن لا يخلط بينها وبين الآراء التي يعبر عنها بعض الغربيين
لمجرد أنها موافقة لديننا ، لأن الرأي ليس له سلطان الحقيقة العلمية .
والحقائق العلمية التي أعنيها تشمل كل أنواع العلوم الطبيعية والاجتماعية
والنفسية . ولذلك فإنه لا بد من
أن تتضافر على جمعها جهود كل المختصين أو المهتمين بهذه العلوم . وهذا
يقتضي أن يكون هنالك مركز ترسل إليه هذه الحقائق لجمعها وتصنيفها ثم نشرها
. ولما كانت هذه الاكتشافات مستمرة فلا بد أن يكون جمعها وتصنيفها ونشرها
أيضاً مستمراً . ولهذا ربما كان الأنسب لنشرها هو المجلات ، أو الكتيبات
الشهرية . قد يثير هذا الاقتراح سؤالين :
أولهما : إن ما تدعو إليه ليس بالأمر الجديد ؛ فما أكثر ما كتب الإسلاميون
في مقالاتهم وكتبهم عن الآثار التي ترتبت على ما شاع في البلاد الغربية من
معاص وانحرافات . ونقول هذا صحيح . وقد كنت أنا نفسي لخصت لمجلة البيان
كتاباً لفوكوياما : ( الانفراط أو التفكك الحاصل في المجتمعات الغربية )
وعزوه أسباب ذلك إلى تفكك الأسرة الذي كان بدوره ناتجاً عن تفشي العلاقات
الجنسية خارج نطاق الزوجية . وقد كتب صديقنا أستاذ علم النفس الدكتور مالك
بدري كتاباً كاملاً عن العلاقة بين مرض الإيدز والقيم المصاحبة للحداثة .
لكن الذي ندعو إليه هو أن يولى هذا الأمر عناية أكبر وأن يشارك في جمع
معلوماته عدد أكبر ، وأن يوضع له
منهج وضوابط تجعل منه علماً معترفاً به .
وثاني السؤالين هو : لماذا يحصر هذا العلم في ممارسات الدول الغربية ؛ مع
أن الواقع هو أن كثيراً من تلك الممارسات شاعت في العالم كله بما فيه
العالم الإسلامي ؟ ونقول أيضاً : إن هذا صحيح ؛ لكن الغرب كان أسبق إليها ،
وقد داوم عليها لمدة أطول ، وصار يستعلن بها ، ويدافع عنها ، ويدعو إليها ،
بل يحاول عن طريق الأمم المتحدة أن يفرضها على بقية شعوب العالم . ولكن مع
هذا لا بأس من تعزيز النتائج التي حدثت في الغرب بمثيلات لها في بقية بلدان
العالم .
________________________
(1) أخرجه مسلم ، رقم 876 .
(2) أخرجه الترمذي ، رقم 1091 .
(3) أخرجه الترمذي ، رقم 2423 .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|