|
الحرية والعبودية
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 183
, ذو القعدة 1423 هـ
الفكر الغربي الشائع اليوم فكر
إلحادي ؛ لأنه كان في أصله رد فعل على الكنيسة ثم على الدين ؛ فكان لذلك
محاولة لإيجاد أسس فلسفية غير دينية يستند إليها الفكر العلمي والسياسي
والاقتصادي والاجتماعي والنفسي وغير ذلك . وكونه كذلك لا يعني أن كل ما فيه
من تفاصيل باطلة ، لكنه يعني أنه يستند في مجمله على أساس واهٍ . لكننا
كثيراً ما نأخذ هذا الفكر معزولاً عن بيئته تلك الفكرية الإلحادية ، فنعده
فكراً إنسانياً صالحاً لكل زمان ومكان ، بل كثيراً ما ندعي لذلك أن ديننا
يقول به أو أنه على الأقل لا يعارضه ، وويل لمن يقول غير ذلك من أمثالي .
أضرب في هذا المقال مثلاً بمفهوم واحد هو مفهوم الحرية الذي يكاد أن يكون
أمراً مسلَّماً به عند جيمع الناس في عصرنا ، فأقول :
إن الحر حرية كاملة هو الذي لا قيود على تصرفه ألبتة هو الذي يفعل كل ما
يريد . لكن الفعل يحتاج إلى علم وإلى إرادة وقدرة . فالحر حرية كاملة يجب
أن يكون ذا علم كامل وقدرة كاملة وإرادة نافذة . ولا يمكن أن يكون للفاعل
علم كامل وقدرة كاملة وإرادة نافذة إلا إذا كان مستغنياً عن غيره استغناء
كاملاً لا يحتاج إلى أن يتعلم منه شيئاً ، ولا أن يكتسب منه مقدرة ؛ لأن
الحاجة إلى علم الغير أو مقدرته قد يتنافى مع
كمال الحرية .
فما يقوله المدافعون عن الديمقراطية من أن الإنسان لا يكون حراً إذا هو
أطاع قانوناً ليس من صنعه كلام صحيح . لكنهم معترفون بأن الإنسان لا بد له
من أن يعيش في جماعة ، وأن العيش في الجماعة يتطلب وجود سلطة تأمر وتنهى
وتعاقب ، وأن القوانين التي بمقتضاها تفعل هذا لا يمكن أن تكون كلها من صنع
كل الأفراد الذين يكوِّنون المجتمع ، وأن مشاركة الأفراد وإن كانت في
النظام الديمقراطي أكثر منها في غيره ، إلا أن صنع القوانين حتى في هذا
النظام هو في النهاية من صنع قلة من أفراد المجتمع متمثلة في أعضاء المجالس
التشريعية . وعليه فإذا كانت المشاركة في وضع القوانين هي معيار الحرية ؛
فإن الناس ليسوا أحراراً إلا بقدر
يسير حتى في الديمقراطية . بل نقول إنه حتى صنع القوانين ليس ضماناً للحرية
حتى لو كان الفرد يتصرف كيف شاء . لماذا ؟ لأنه قد يُتبِع نفسه هواها ،
فيفعل كل ما تأمره وتريده شهواته من إسراف في الأكل ، وشرب للخمر ، وتعاط
للمخدرات ، وارتكاب للفواحش ، وهكذا . مثل هذا الإنسان ومثله اليوم كثير في
الغرب ليس حراً . نعم إنه ليس عبداً لبشر مثله ! ولكنه عبد لهواه .
ما المخرج إذن من هذه العبودية ؟ لا أمل للإنسان في حرية مثل تلك التي
تريدها الفلسفات الغربية ؛ وذلك أن كل الناس بما فيهم منكرو وجود الخالق
سبحانه مقرون بأن الإنسان ليس هو الذي أوجد نفسه ، ولا هو الذي يبقيها ،
وأن علمه مكتسب ، وهو علم ناقص ، وأنه يعتمد في استمرار حياته على ظروف لا
قِبَل له بالسيطرة عليها . فالضياء يأتيه من الشمس ، والماء من المطر ،
والزرع من الأرض ، وهكذا . فأنى يكون حراً ؟ وأنى يكون مستقلاً بقراره ؟
والمؤمنون بوجود الخالق مقرُّون بأن الله هو وحده ذو العلم الكامل ،
والقدرة الكاملة ، والاستغناء الكامل ، فهو وحده الفعال لما يريد . أما
الإنسان فهو مخلوق ، وبما أنه مخلوق فهو مملوك لخالقه ، والمملوك عبد .
فالصفة التي تدل على حقيقة الإنسان هي كونه عبداً لا حراً ، لكنه عبد
لخالقه لا لمخلوقات مثله . وعبوديته لخالقه تتمثل في كونه شاء أم أبى
محكوماً في كل تصرفاته بمشيئة خالقه . نعم إن للإنسان مشيئة ! ونعم إن له
قدرة ! لكن خالقه هو الذي شاء ان يجعله شائياً ، وهو الذي شاء أن يجعل له
قدرة . فمشيئته ليست مطلقة ، بل هي مقيدة بمشيئة خالقه .
فإذا كان الخالق فعالاً لما يريد ، فإن الإنسان يريد ما لا يكون ويكون ما
لا يريد . لكن الخالق الذي جعل لخلقه قوانين كونية قهرية لا اختيار لهم في
طاعتها ، قد جعل للبشر قوانين شرعية لا تتم سعادتهم الدنيوية والأخروية إلا
بها ، لكنه جعلها قوانين اختيارية من شاء منهم أن يلتزم بها فعل ، ومن لم
يشأ لم يفعل . إذا فعل كان عبداً ظلله باختياره
كما هو عبد له باضطراره . وإذا لم يفعل كان عبداً لهوى نفسه أو هوى غيره من
البشر . فالوسيلة الوحيدة لتحقيق ما يريده دعاة الديمقراطية أعني التحرر من
العبودية للبشر لا تكون كما رأينا بأن يسن كل فرد لنفسه ما شاء من قوانين .
إنها لا تكون إلا بإخلاص العبودية لله بطاعة ما شرع في كل مجالات الحياة .
لا
مجال إذن للتخلص من العبودية للبشر إلا بالعبودية لخالق البشر . فالإنسان
ليس إذن مخيراً بأن يكون حراً أو يكون عبداً ، بل هو مخير بين عبوديتين .
ولهذا كانت الدعوة إلى أن تكون للإنسان حرية التشريع مرتبطة دائماً بالدعوة
إلى التمرد على شرع الله ؛ لأنها في حقيقتها دعوة إلى أن يكون المخلوق
العبد المملوك فرداً أو جماعة إلهاً مشرعاً لنفسه أو لغيره . وكان الرد
الإلهي دائماً أن
الإنسان المخلوق ليس من حقه أن يضع من القوانين ما شاء فيحل ويحرم ويأمر
وينهى ، حتى لو كانت القوانين خاصة بشخصه ، وأن الخالق هو الذي من حقه حقاً
لا ينازعه فيه غيره أن يشرع وأن يطاع . المتخذون دون الله آلهة من الأهواء
يقولون : ] أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ [ ( هود : 87 ) . ] مَا
أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ [
( غافر : 29 ) . لكن الرب الخالق يقول : ] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ [ (
الأنعام : 91 ) . ] أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [ ( القيامة
: 36 ) ( يترك سدى أي يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يحاسب ) . ويقول
: ] قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم
مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ
تَفْتَرُونَ [ ( يونس : 59 ) .
ولكن بما أن للإنسان إرادة مهما كانت محدودة ، وبما أن له قدرة مهما كانت
أيضاً محدودة ، فإن له حرية في حدود قدرته وإرادته . لكنه قد يفقد قدراً من
هذه الحرية العادية المحدودة حين يُسترَقُّ فيكون عبداً يملكه ويبيعه
ويشتريه بشر مثله . فإذا ما أُعتق قلنا إنه قد صار حراً ، أي رجع إلى
الحرية المعتادة التي وهبها الله تعالى لكل الناس . وقد يحبس ويعتقل فتحد
من حريته ؛ فإذا ما خرج من الحبس قلنا إنه قد
أطلق سراحه . وقد تتسلط أمة على أمة أخرى فتحكمها ، فإذا ما تخلصت منها
قلنا إنها قد نالت حريتها ، وقد يتسلط حاكم ظالم على أمة فيفرض عليها
أحكاماً بهواه كما كان فرعون يقول لشعبه : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم
إلا سبيل الرشاد . وقد يمنعهم من بعض ما أباح الله أو أوجب من الكلام
والحركة والاجتماع ، فإذا ما تخلصوا منه قلنا إنهم صاروا أحراراً . لكن
أسوأ أنواع العبودية أن يكون الإنسان باختياره عبداً لمخلوق مثله ، عبداً
له يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويستغيث به ، أو يرضى له بحق التشريع والطاعة
فيجعله في مقام المولى سبحانه . ولا فرق في هذا بين أن يكون الحكم
دكتاتورية أو وصائية أو ديمقراطية ما دام حكمَ بشر مخالفاً لحكم الله تعالى
. بل إن الإنسان ليكون عبداً حتى لو كان هو المشرع لنفسه ؛ لأنه يكون حينئذ
متبعاً لهواه متخذاً إياه إلها ] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ
هَوَاهُ [ ( الجاثية : 23 ) ، وذلك أنه إما أن يكون الإنسان عبداً لله أو
عبداً لهواه ولا واسطة بين الأمرين ] فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ
فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [ ( القصص : 50 ) . وعليه
فلا سبيل إلى التحرر من العبودية للبشر إلا بإخلاص العبودية لخالق البشر .
فالقول بأن الإنسان حر أو أنه ينبغي أن يكون حراً بالمعنى الغربي الشائع
كلام يكذبه الواقع ، ثم إنه مخالف للإيمان بأن الإنسان عبد لله يأتمر
بأوامره ، وقد أدرك هذا بعض الكتاب النصارى ، منهم كاتبهم الإنجليزي
المشهور لويس الذي قال كلاماً فحواه : إنني لم أولد لأكون حراً ، وإنما
ولدت لأسمع وأطيع .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|