بهدوء عن الدستور (1)

جريدة الوفاق

صفحة 5، الأربعاء 17 محرم 1419هـ الموافق 13 مايو 1998م

د. جعفر شيخ إدريس

 الدين النصيحة كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه نصيحة لولاة الأمر أولاً ثم لبقية إخواننا المواطنين الذين يستفتون الآن في الدستور، إن هذا الدستور ليس من الإسلامية في شئ.

هل أقول هذا لأنني مثالي يتغافل عن الواقع ولا يضع اعتباراً للظروف؟ كلا، فإنني أعلم أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأنه أمرنا أن نتقيه سبحانه ما استطعنا.  لكنني أعلم كذلك أنه أمرنا بالاستمساك بالدين كله من حيث الاعتقاد، وحذرنا من تحريفه وتبديله ففرق بين أن يقول الإنسان هذا دين الله لكنني لا أستطيع في هذا الظرف الذي أنا فيه أن أعمل به كله فسأعمل لذلك بكذا وكذا مما أستطيع العمل به منه.  فرْقٌ بين هذا وبين أن يُغير الدين ويبدله ليناسب أهواءه الطارئة، ثم يقول للناس هذا دين الله، فاقبلوه واعملوا به ودافعوا عنه (ويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).

ثم إنني أعلم أن المشكلة الكبرى التي تجعل من العسير على الدولة الالتزام بأحكام الإسلام كاملة هي وجود عدد كبير من غير المسلمين في جزء مهم من أجزاء البلاد، لكن بدلاً من أن يعترف كاتبوا الدستور بهذه المشكلة ويجتهدوا في إيجاد حل دستوري أصيل لها يكون مرضياً للمسلمين وغير المسلمين تغافلوا عنها فوقعوا في تناقض شديد، فهم يفترضون تارة أن الناس جميعاً مسلمون، فيضعون مادة يرضى عنها المسلمون، ثم يتذكرون غير المسلمين فيضعون مادة أخرى يعتقدون أنها ترضيهم وهم واضعون إلى جانب ذلك اعتباراً كبيراً لِعين الغرب التي تراقبهم لترضى عن الدستور بقدر قربه من أهواء حضارتها، أو تسخط عليه بقدر بعده عنها.

ففي الدستور مواد لا مسوغ لوجودها إلا هذا، أعني أنها لم تكتب إرضاءً للمسلمين أو غير المسلمين من السودانيين، وإنما كتبت إرضاءً للغربيين وللمؤمنين بقيمهم من بعض المسلمين.

أكتب  إذن لأقول ما هذا بالدستور الذي يرضى عنه المسلم، لا لأقول اكرهوا إخواننا في الجنوب على الخضوع لأحكام الإسلام، فأنا مؤمن بأنه بإمكاننا أن نضع دستوراً يحفظ للأغلبية المسلمة حقها في أن تحكم بتعاليم دينها ما استطاعت من غير تحريف ولا تبديل ويمنح الأقلية غير المسلمة في الجنوب فرصة لأن يكون حكمها وفق أعرافها.  وقد تكلمت عن ذلك في مناسبات سابقة بعد صدور نص الاتفاقية وقبل ظهور مشروع الدستور اقترحت في أن أقدم فيه اقتراحاً وصفته بأنه محض رأي قابل للأخذ والرد والتعديل والتقويم، أعيد نشره في بداية هذا المقال بعد أن أجريت عليه تعديلات اقتضاها مشروع الدستور.

 

اقتراح دستوري لحل قضية العلاقة بين الدين والدولة في السودان

 

القضية التي يسعى هذا الاقتراح لحلها هي أن المسلمين يريدون دستوراً لا يفرض عليهم علمانية تجبرهم على التخلي عن جزء من دينهم بينما يريد غير المسلمين دستوراً لا يفرض عليهم أحكام دين لا يؤمنون به.

فكيف نحل هذا الإشكال؟

التصور الشائع الذي أقره هذا الدستور يقضي بأن يكون هنالك مجلس تشريعي واحد يجمع المسلمين وغير المسلمين ونظام قضائي واحد يختار القضاة فيه باعتبارهم مواطنين وبغض النظر عن دينهم، وأن تكون الشريعة الإسلامية وما أسماه الدستور بإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفاً هما مصدرا التشريع.

يَرِد على هذا التصور ما يلي:

أولاً:  إذا اشترطنا العرف أن يكون عرفاً موافقاً للشريعة فلا نكون قد حللنا الإشكال، لإن العرف الموافق للشريعة هو جزء منها ذكرناه أم لم نذكره.  فنكون كأننا فرضنا على غير المسلمين أحكام دين لا يؤمنون به.

ثانياً:  وإذا اشترطنا كما يبدو من ظاهر نص المادة أن يكون عرفاً ارتضته أغلبية الشعب من مسلمين وغير مسلمين فما أظن أن هنالك عرفاً كهذا.  وإن وجد فلن يحل الإشكال.

ثالثاً:  وأما إذا قلنا إنه العرف الذي يرتضيه غير المسلمين فسيكون لا محالة متناقضاً مع الشريعة.  فكيف يكون لنظام قانوني واحد مصدران متناقضان؟

قد يُقال إن حل الإشكال هو أن تكون الشريعة هي المصدر الأول للقوانين المتعلقة بالمسلمين ويكون العرف هو المصدر الأول للقوانين المتعلقة بغير المسلمين.

هذه بلا شك خطوة أحسن نحو الحل، وهو الذي فهمه معظم الذين يدافعون عن الدستور من غير أن يتمعنوا في نصوصه أو يأخذوها مأخذ الجد ليكتشفوا أنه ليس فيها هذا الذي يظنون.  ولكن حتى لو صرح الدستور بما قالوا فسيَرِد عليه.

رابعاً:  أنه ما دام المجلس واحداً فسيكون من حق المسلمين أن يشاركوا غير المسلمين في مناقشة القوانين المستندة إلى أعرافهم وفي التصويت على إجازتها.  والحق نفسه سيكون لغير المسلمين بالنسبة للقوانين الإسلامية، وكلا الأمرين غير مُرضٍ من وجهة النظر الإسلامية كما أن أولهما قد لا يكون مرضياً من وجهة نظر أصحاب الأعراف.

خامساً:  أما عدم اعتبار الدين في اختيار القضاة فسينتج عنه أن يحكم قاضٍ غير مسلم بين خصمين مسلمين بقوانين إسلامية!  أو يحكم قاضٍ مسلم بين خصمين غير مسلمين بقوانين عرفية لا تقرها الشريعة الإسلامية.  هذا مع أنه لا يجوز لمسلم أن يحتكم -في الظروف العادية- إلى قاضٍ غير مسلم، كما لايجوز للقاضي المسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله وإن كان الخصمان غير مسلمين.  هذه مسألة فصل فيها الله عز وجل بقوله مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين من ورائه (فإن جاؤوك) يعني غير المسلمين (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تُعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين)  والقسط إنما هو الحكم بما أنزل الله، وهل يحب ربنا سبحانه من لا يحكم بما أنزل؟  وهو الذي يقول (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكماً لقومٍ يوقنون).

ما الحل إذن؟

الذي أراه وأعرضه للمناقشة والنقد والتقويم.

أن ينص الدستور على أن السودان يتكون من ولايات إسلامية وولايات غير إسلامية (أو عُرفية أو غير ذلك لكن لا أرى أن يُقال جنوبية).

كل ولاية تكون غالبيتها من المسلمين فهي ولاية إسلامية، وكل ولاية تكون غالبيتها من غير المسلمين فهي مُخيرة بين أن تكون إسلامية أو غير إسلامية.

وعليه تكون للبلاد ثلاثة مجالس تشريعية، مجلس للولايات الإسلامية، وآخر للولايات غير الإسلامية، وثالث إتحادي يتكون من المجلسين بنسبة الولايات التي يُمثلانها.

ينص الدستور على أن القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع في الولايات الإسلامية، وأن الأعراف (أو ما شاء أن يختار أصحابها) هي مصادر التشريع في الولايات غير الإسلامية، ولا يحدد للقوانين الفدرالية مصادر معينة لكن يشترط فيها بالطبع أن لاتكون مخالفة للمبادئ العامة التي حددها الدستور باتفاق الطرفين.

تسري قوانين كل مجلس على كل المواطنين الموجودين في الولايات التابعة له بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.

لكن يستثنى من ذلك قوانين الأحوال الشخصية حيث تكون لها محاكم خاصة يتولى فيها قضاة ينتمون إلى الدين أو العرف الذي ينتمي إليه صاحب القضية.  ويكون حكمهم بحسب قوانين المجلس التشريعي المناسب (أعني أن المسلمين يحكمون في الأحوال الشخصية بقوانين مجلس الولايات الإسلامية وإن كانوا موجودين في ولايات غير إسلامية، وكذلك الأمر بالنسبة لغير المسلمين في الولايات الإسلامية).

وعلى ذلك فإن الدستور العام يكون بمثابة وثيقة اتفاق وصلح وتعاون بين المسلمين وغير المسلمين باعتبارهم مواطنين في دولة واحدة، يريد كل فريق فيها أن ينظم حياته وفق معتقداته.

 

نواصل