|
الدعوة .. ووسائل الاتصال
الحديثة
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 146شوال
1420 هـ
إن وسائل الاتصال الحديثة آية دالة
على صدق النبوة المحمدية ، وهي فرصة كبيرة لنشر الرسالة المحمدية ، لكنها
أيضاً أكبر تحدٍّ يواجه الدعاة إلى هذه الرسالة . أما كونها آية فلأنها
جعلت بلدان العالم كلها بمثابة البلد الواحد الذي كان يرسل إليه كل نبي قبل
محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا دلالة علي أن الذي أرسل محمداً رسولاً
للناس كافة لا لقومه خاصة هو الخالق سبحانه الذي كان يعلم أن العالم كله
سيصير بمثابة القرية الواحدة ، فلا يحتاج إلى تعدد المرسلين ، ولا يحتاج
إلى رسول بعد الرسول الذي تعم دعوته شعوب العالم أجمعين . لقد كان هذا
التقارب بين بلاد العالم قد بدأ مع مبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ،
لكنه ظل يزداد ويزداد مع تطور وسائل المواصلات والاتصالات ، حتى وصل إلى ما
وصل إليه في عصرنا ، وربما تشهد العصور التي تلينا تقارباً أكبر ، بسبب
تطور أكثر في مجال الاتصالات . فمَنْ غيرُ الخالق سبحانه كان يعلم آنذاك أن
هذا سيكون ؟ إن الترابط بين شعوب العالم الذي أحدثه هذا التطور الكبير في
وسائل الاتصال ليس إذن مجرد أمر دنيوي بالنسبة للمسلم ، وإنما هو أمر يتصل
بصميم عقيدته ؛ لأن فيه دليلاً يضاف إلى الأدلة المشيرة إلى صدق رسوله صلى
الله عليه وسلم .
وأما كونها فرصة لنشر الدعوة فأمر لا يكاد يحتاج إلى بيان . إن الكتب تطبع
الآن بأسرع مما كانت تطبع به في الماضي ، وتنتشر على نطاق أوسع مما كانت
تنتشر به ، والكلمات لم تعد تقتصر كتابتها بحبر على ورق ، وإنما صارت
الملايين منها تكتب في أقراص مدمجة يسهل حملها ، ويسهل الوصول إلى المادة
المكتوبة فيها . والكلمة المنطوقة لم يعد ينتهي صوتها بانتهاء النطق بها ،
وإنما صارت تسجل على أشرطة مسموعة وأخرى مرئية مسموعة ، والرسائل لم تعد
تحتاج إلى بريد بالجِمال أو بالسيارة أو الطائرة أو القطار ، وإنما صارت
ترسل في لحظات عبر الفاكس والبريد الإلكتروني . ثم الشبكة العالمية (الإنترنت)
التي تجمع لك هذا كله ، أعني : الكتابة والصوت والصورة والإرسال السريع
والحفظ . وقد استفاد الدعاة بحمد الله تعالى من كل هذه الوسائل ، فسُجِّل
كتاب ربنا بأصوات عدد من كبار قرائنا ، وسجلت بعض أحاديث الرسول صلى الله
عليه وسلم ، وها نحن اليوم نستمع إلى دروس كبار شيوخنا ومحاضراتهم حتى بعد
وفاتهم ، وأما الشبكة العالمية فقد استفادوا منها هي الأخرى أيما فائدة ،
وما تزال المواقع الإسلامية تفتح فيها يوماً بعد يوم ، وما تزال المادة
الإسلامية المعروضة فيها في ازدياد مطرد . وقد سمعت عن أناس ورأيت أناساً
هداهم الله تعالى عن طريق هذه الوسيلة . وقد كان المسلمون في البلاد
الغربية يشكون من أن الصحف والمجلات لا تفتح لهم مجالاً للنشر فيها حتى
عندما يكون المقال رداً على افتراء على الإسلام ، فإذا هم اليوم يكتبون ما
يشاؤون على صفحات هذه الشبكة . لكنني ما زلت أرجو أن يزداد اهتمامنا بها
واستفادتنا منها ، وأرجو أن يأتي يوم قريب تكون فيه كل المراجع الإسلامية
متيسرة فيها ، وأرجو أن أرى فيها مقررات في شتى الفنون الإسلامية تأخذ بيد
الراغب من المستوى الابتدائي وتتدرج به حتى توصله إلى المستوى الجامعي .
وأرجو أن يأتي يوم تتحول فيه جامعتنا الأمريكية المفتوحة ، وأختها كلية
لندن المفتوحة ، إلى جامعة إسلامية عالمية تضاهي الجامعات المفتوحة الكبرى
كالجامعة البريطانية التي يبلغ عدد طلابها أكثر من مئتي ألف ، أرجو أن يدرك
المحسنون ، وأن تدرك المنظمات الإسلامية في عالمنا الإسلامي أهمية مثل هذا
التعليم الذي يسمى بـ (التعليم عن بعد) ، والذي يصفه بعض رجال التربية
الغربيين بأنه نظام المستقبل ، فيولونه عنايتهم ودعمهم حتى تكون الدراسة في
جامعته مجاناً ، وحتى يوفر العلم الشرعي للراغبين فيه أنَّى كانوا على وجه
الكرة الأرضية . وأما كونها تحدياً عظيماً :
فأولاً : لأنها كما يسرت لنا إيصال دعوة الإسلام إلى غير المسلمين ، فقد
سهلت لغير المسلمين ولا سيما الغربيين إيصال دعوتهم إلينا ، وبما أن
إمكاناتهم المادية هي اليوم أكبر من إمكاناتنا ، وبما أن إدراكهم لأهمية
هذه الوسائل الحديثة أكبر من إدراكنا فإن ما يوصلونه إلينا يفوق كثيراً ما
نوصله إليهم ، بل إنهم لا يحتاجون إلى الاقتصار على الخطاب المباشر من
الغرب إلى الشرق الإسلامي ؛ لأن لهم عملاء في بلادنا هم من بني جلدتنا
ويعربون بألسنتنا ، ويكتبون في صحفنا ، ويتكلمون في إذاعاتنا ويظهرون في
قنواتنا ، ولا همَّ لهم إلا دعوتنا للسير في ركاب الغرب ، في نظمنا
السياسية ، وأوضاعنا الاقتصادية ، وقيمنا الخلقية ، ونظرياتنا التربوية ،
وأساليبنا الأدبية ، ونظرتنا التاريخية ، بل وتصوراتنا الدينية ، يعطون
الكلمات العربية والمصطلحات الإسلامية مثل الأصولية معاني كلمات غربية ثم
يكررونها بذلك المعنى الغربي على مسامعنا ليل نهار ، واصفين بها كل مستمسك
بدينه من الأفراد والدول والجماعات ليُدخلوا في روْع الناس أن مسلك هؤلاء
وطريقهم هو الطريق الشاذ ، وأن المسلم المعتدل إنما هو ذلك الشخص الذي يأخذ
دينه مأخذ الغربي الليبرالي أو حتى العلماني للدين .
وثانياً : لأنها لا تفتأ تذكِّر المسلم بأن أكثر الناس على وجه الأرض ليسوا
مسلمين ، وأن أقوى دول الأرض سلاحاً واقتصاداً وأكثرها لذلك تأثيراً ليست
دولاً مسلمة ، بل وأن معظم الدول الإسلامية قد نهجت نهجها العلماني في
نظمها السياسية وقوانينها ، وكثير من نواحي حياتها الأخرى . وفي البشر ضعف
يجعل من الشاق عليهم مخالفة الأمر الشائع حتى لو كان في نطاق قرية ، أو
مجموعة محدودة متن الناس كما كان الأمر في الماضي ، فكيف إذا أصبح مخالفة
لأكثر سكان العالم وأكثر دوله ؟ إن هذا الضعف قد يصل بالإنسان إلى مجاراة
الأكثرية في إنكار أمر هو موقن بأنه حقيقة لا ريب فيها ؛ ألم يقل الله
تعالى لرسوله موسى عليه السلام : ] فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع
هواه فتردى [ [طه : 16] ، والإنسان قد يدفعه هذا الضعف إلى الضيق بما يعلم
أنه الحق إذا رأى الناس يعترضون عليه باعتراضات مهما كانت واهية . ألم يقل
الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ] فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك
وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير
والله على كل شيء وكيل [ [ هود : 12] ، إن الله تعالى لا يرسل رسولاً تصده
أهواء الناس عمَّا أوحى إليه ربه ، أو تحمله اعتراضاتهم على الكف عن تبليغ
بعض ما أنزل الله إليه ، لكن في تذكير الرسل بعد الوقوع في مثل هذا النوع
من الضعف دليل على أنه يقع من غيرهم ، حتى لو كان من أتباعهم ، وإذا كان
الله تعالى يذكِّر رسله بعدم الاستسلام لمثل هذا الضعف فإن غيرهم أوْلى بأن
يذكَّر ويذكِّر .
لكن حتى هذه الجوانب التي تبدو ضارة في وسائل الاتصالات الحديثة لا تخلو من
نفع فيما يبدو لي ، بل يمكن أن يُسْتغَل كثير منها استغلالاً حسناً لمصلحة
الدعوة إلى الإسلام ، وأرجو أن أبين هذا في مقال قادم بإذن الله وتوفيقه .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|