Home

Biography

Articles

Papers and Books

Audio Lectures

 

 

 

سهام بوش ضد الإرهاب
تصيب الروح الأمريكية في مقتل

 

أ.د. جعفر شيخ إدريس

مجلة البيان العدد 198 , صفر 1425 هـ


أعني بالروح هنا ما يشعر به فرد أو جماعة أو شعب بأكمله من اعتزاز بسبب ما يراه من فضل يتميز به عمن سواه ؛ فضل في خصال أو علم أو مال أو قوة أو غير ذلك ، سواء كان محقاً في شعوره هذا أو واهماً ، والإنسان يصاب في هذه الروح حين يفقد ما كان يعتز به ، أو حين يتبين له أنه ليس كما تصوره ، أو حين يظهر له أنه ليس وحده الذي يتميز به ، وهكذا .
فما الروح الأمريكية بهذا التعريف ، وكيف أصيبت ؟ تتمثل الروح الأمريكية في أمرين : القوة المادية ، والقيم السياسية .
لا يكاد الأمريكان يكفُّون عن ترديد القول بكثير من الفخر والزهو بأنهم أعظم قوة على وجه الأرض ، بل أعظم قوة في تاريخ البشرية ، وأنه لن تستطيع لذلك أية قوة بشرية أخرى أن تهزمهم ، وأنهم سيعيشون لذلك آمنين لا يخافون من أن تُشن عليهم حرب أو يغلبهم عدو ، فمخزونهم من أسلحة الدمار الشامل وغيرها لا مثيل له ، ولا مثيل لقواتهم العسكرية في عددها وعدتها وتدريب أفرادها . وهي ما تزال تطور كل هذا وتنفق عليه ما لا تنفق دولة أخرى على وزارة دفاعها ، فميزانية البنتاجون تساوي الآن مجموع ميزانيات الخمس وعشرين دولة التي تلي الولايات المتحدة في القوة العسكرية ، ويقال إنها ستكون بعد بضعة أعوام أكثر من ميزانيات كل وزارات الدفاع في العالم مجتمعة . وهذا يعني أن هذه القوة العسكرية الهائلة وراءها اقتصاد قوي ، بل يقال إنه أقوى اقتصاد في العالم . ثم وقعت حوادث نيويورك وضُربت أمريكا لأول مرة في تاريخها في عقر دارها . وقد كانت الواقعة وحدها كافية لتبدد شيئاً من ذلك الشعور بالأمن ، لكن إدارة بوش أرادت استغلالها كما يقول كثير من الأمريكان أنفسهم لتنفيذ أجندة كانت
قد أعدت سابقاً ، فصارت في سبيل ما تسميه بمحاربة الإرهاب تهوّل من الأمر وتذكّر المواطنين في كل مرة بأن هنالك خطراً ماثلاً ارتفعت درجته اليوم إلى كذا ، انخفضت إلى كذا ، ارتفعت مرة أخرى إلى كذا ، وهكذا . تحول ذلك الشعور بالأمن إلى خوف دائم ، كان سهماً في المقوم الأول من مقومات الروح الأمريكية ، ومما زاد من الخوف بل والهلع أن بعض المختصين يرون أن حكومة بوش لم تقم بما يجب من المحافظة على أمن البلاد ، فهذا أحدهم يقول في مقال له : « إن الرئيس جورج بوش قد أفرد الهجوم الإرهابي النووي على الولايات المتحدة بأنه التهديد الحقيقي الذي ستواجهه الأمة في المستقبل المنظور . في مواجهته لهذا الخطر أكد بأن « الأسبقية العليا للأمريكان هي أن يحُولوا بين الإرهابيين وامتلاك أسلحة دمار شامل » ، لكن كلماته لم يتبعها حتى الآن عمل [1] . وإذا كان الرئيس بوش قد عجز عن أن يتبع قوله بعمل يراه هذا الكاتب لازماً ؛ فإنه قد قام بأعمال أخرى رأى أنها هي التي ستساعد على تسديد ضربات موجعة للإرهابيين ، لكن تبين أنها سهام تصيب في الوقت نفسه المقوم الثاني من مقومات الروح الأمريكية . وذلك أن الأمريكان يعتقدون أن نظمهم السياسية والقضائية هي أحسن النظم وأعدلها [2] ، وأن دستورهم الذي كُتب في القرن الثامن عشر هو أحسن وثيقة كتبها بشر ( بل يبالغ بعضهم فيزعم أنها كانت إلهاماً من الله تعالى ! ) . ومما زادهم فخراً بهذا وفتنة به ؛ أنهم رأوا الناس في العالم كله تقريباً يثنون على نظمهم هذه ويعدونها المثال الذي يجب أن تحذو الدول الأخرى حذوه . وكان الأمريكي إذا خرج سائحاً قوبل بالترحاب والاحترام في دول العالم كله تقريباً . ثم انقلب كل شيء بفضل سياسة بوش في محاربة ما يسميه بالإرهاب التي هي في حقيقتها محاربة باسم الدين المسيحي للإسلام . ماذا بقي للولايات المتحدة لتفخر به ؛ أبرئيس يتهمونه كما لم يتهموا رئيساً قبله بكثرة الكذب ؛ حتى إنهم ليؤلفون الكتب في هذا ، ويتخذون له مواقع على الشبكة ؟ أبحكومة تبيّن لهم أنها خدعتهم وغشتهم حين سوغت هجومها الظالم على العراق بحجة امتلاكه لأسلحة دمار شامل ؟ ( كيف يكون الحكم باسم الشعب إذا كان من يختاره الشعب يخدعه ويفعل ما لا تريد أغلبيته ؟ ) أباحتجاز المئات من الشباب المسلم ( بل بعض الأطفال بتعريف قانونهم ) في جزيرة نائية بتهمة الإرهاب وعدم تقديمهم لمحاكمة وعدم السماح لهم بمحامين ؟ أبسنّ قوانين جديدة تتعارض مع كل ما كان يعتز به الأمريكان من قيم الحرية والعدالة ؟ أباكتشافهم بأنهم أصبحوا دولة بل شعباً مكروهاً يستحيي الواحد منهم الآن أن يصرح إذا ذهب إلى الخارج بأنه أمريكي ؟ أبما يعرفه الكثير منهم الآن من قصص في معاملة المتهمين من المسلمين حتى في داخل الولايات المتحدة ؟
قبل بضعة أيام عقد أحد المحامين الذين كانت الدولة قد عينتهم ( بحكم قوانين سابقة ) للدفاع عن متهمين مسلمين فقراء لا يملكون ما يستأجرون به محامياً . عقد هذا الرجل مؤتمره بعد أن كان من دافع عنهم قد أُدينوا ، قال الرجل كلاماً فحواه أنه سيقال لكم إن هؤلاء الشباب إرهابيون وإنهم مجرمون . ثم قال إنه لم يكن يعرف شيئاً عن الإسلام ولا المسلمين حتى كان اتصاله بهؤلاء الشباب ، فأثنى على ما وجد فيهم من خلق مثالي ، وضرب لذلك مثلاً بواحد منهم ، قال إنه حصلت مساومة بينه وبين متهميه ( من المخابرات ) بأن يعترف ببعض الجرائم في مقابل إسقاط بقيتها عنه ، وأن عقاب ما يعترف به لن يزيد على سنتين ، مع أن عقابها كلها يصل إلى أكثر من 100 سنة ، يقول إنه وافق ، لكنه عندما رأى الورقة التي طُلب منه أن يوقّع عليها ، قال إن هذه كلها أكاذيب ، فأنا لا أستطيع أن أحلف بالله على شيء أعلم أنه كذب مهما كانت النتيجة . قال المحامي : من منا يفعل هذا ؟ وقال : إنني لا أقول فقط إن هذا الشاب لا يكذب ، بل أقول ما أظنه يعرف حتى كيف يكذب ! ونقول نحن إنه إذا كان من شأن الأكاذيب والاعتداءات الظالمة والاتهامات الباطلة أن تفت من روح الأمة الأمريكية ؛ فإنها بحمد الله تعالى تقوّي من روح المسلمين منهم ، وتزيدهم ثقة بدينهم واعتزازاً به .
وقد كانت السهام الموجهة إلى المقوم الثاني من مقومات الروح الأمريكية أكثر إيلاماً وأشد تأثيراً ، تجد التعبير عنه في كثرة ما قيل ويقال عنه في وسائل الإعلام مسموعة ومشهودة ومقروءة ، فهم الآن يناقشون أموراً كانوا يعدُّونها من مسلَّمات حضارتهم ، وصدق الله العظيم : ] وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِه [ (فاطر : 43) .
________________________
(1) Foreign Affairs, http//www.foreignaffairs.org,March/April.2004 .
(2) بل يعتقدون أن سجونهم أحسن سجون في العالم ، قلت ذات مرة لأحد مسؤولي السجون إن النظام في السعودية أكثر إنسانية من نظامكم ؛ لأنه يسمح للمسجون أن يخلو بزوجته ، فاستغرب وقال : كيف يكون إذن مسجوناً ، هذا جزء من عقابه ؟ قلت : لكنكم بهذا تعاقبون زوجته أيضاً وربما اضطررتموها لأن تنحرف ، وإذا كنتم تمنعونه من هذه الحاجة البشرية ؛ فامنعوه أيضاً من الأكل أو الشرب أو النوم ! .

 

 

 

 

الصفحة الأولى

المقالات

الكتب والبحوث

اللقاءات الصحفية

الندوات والمحاضرات العامة

معالم لنهضتنا

مقالات جريدة الميثاق

من هو الشيخ جعفر شيخ إدريس؟