|
حوار عن العلمانية الديمقراطية بين
مثقفين عربيين
أ.د. جعفر
شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 166
, جمادى الآخرة 1422 هـ
قال الأول لصاحبه : إنه من حسنات البلاد الديمقراطية العلمانية أنها
تعاملنا من حيث الدين معاملة أحسن من معاملتنا لها .
أجاب الأول : من أمثلة ذلك أنهم يسمحون لنا بأن نبني المساجد ونقيم فيها
الصلوات ، ويسمحون بحرية الدعوة إلى الإسلام بينما لا نسمح نحن لهم بشيء من
ذلك في بلادنا .
قال الثاني : أولاً : إن ما ذكرته عنا ليس بصحيح على إطلاقه ؛ ففي العالم
العربي والإسلامي نصارى ويهود يمارسون دينهم في كنائسهم وبيعهم في حرية
كاملة . ألم تزر بلاداً كمصر و السودان ؟ قال الأول : ولكن ماذا عن
السعودية ؟
الثاني : للسعودية وضع خاص ؛ فهي جزء من الجزيرة التي أمر الرسول صلى الله
عليه وسلم أن لا يكون فيها دين غير الإسلام . وينبغي أن لا يكون هذا أمراً
غريباً حتى على الدول الغربية التي أراك تدافع عنها .
الأول : ماذا تعني ؟
الثاني : ألم تسمع ببلد اسمه الفاتيكان ؟ هل تجد فيه من مساجد أو دور
للعبادة غير دور الكاثوليك ؟
الأول : كلاَّ .
الثاني : الأمر الثاني الذي كنت أود أن أنبهك إليه هو أنهم لا يسمحون لنا
بما يسمحون بدافع الإحسان إلينا ، أو مجاملة لنا كما يظن بعض الذين لا
يعلمون ، وإلا لقالوا لنا : إما أن تسمحوا لنا بما نسمح به لكم وإلا
منعناكم كما تمنعوننا .
الأول : هذا ما كنت أظنهم فاعليه ، وقد ازداد تقديري لهم إذ لم يفعلوه .
الثاني : إن ما يسمحون لنا به من قدر من الحرية الدينية هو أمر يسمحون به
لكل صاحب معتقد مصدقاً بوجود الخالق أو منكراً لوجوده ، مؤمناً كان أم
مشركاً ، عابد وثن أو عابد بشر . وكما يسمحون بهذا القدر من الحرية الفكرية
فإنهم يسمحون بقدر مثله أو أكبر منه لدعاة الرذيلة من الشواذ والزناة
وراسمي الصور الفاضحة . يفعلون كل هذا ؛ لأنهم يرونه في مصلحة بلادهم بحسب
تصورهم للحرية . وأما الأمر الثالث فهو أنهم يستعملون كثيراً من قوانينهم
ليحدوا من هذه الحرية سواء لزائريهم من البلاد
الإسلامية أو القاطنين فيها .
الأول : أوافقك . ولكن ألا ترى مع ذلك أن نظامهم خير من نظامنا من حيث إن
القدر الذي يسمح به من الحرية أكبر مما نسمح به نحن ؟
الثاني : كلاَّ ! لست أرى ما ترى ؛ لأن الحريات لا تقاس كمِّياً ، وإلا
لكان أحسن النظم هو الذي يترك الناس سدى لا يأمر أحدهم بشيء ولا ينهاه عن
شيء ألبتة .
الأول : بِمَ تقاس إذن ؟
الثاني : تقاس بمدى نفعها وضررها . فالنهي عن السرقة هو حد من الحرية ،
لكنه حد مفيد . أما النهي عن أكل السمك مثلاً فهو حد لا فائدة فيه ، بل قد
يكون ضرره بالغاً بالنسبة لبعض الناس . ولذلك وصفت النواهي الإسلامية بأنها
حدود إذا تجاوزها الإنسان وقع في ما يضره . وبإمكانك أن تتصورها كالحدود
التي توضع على جنبتي الجسر ؛ فهي أيضاً تحد من حرية السائر أو السائق ،
لكنها مفيدة له ؛ لأنها تمنعه من الوقوع في البحر أو الهوي في واد سحيق .
الأول : لا شك في ذلك . لكن من الذي يصدر هذه القوانين التي تحل وتحرم؟ إن
النظام الديمقراطي يكل ذلك للناس ؛ فهم الذين يحددون ما يصلحهم وما يضرهم
في حرية كاملة . أما النظم الدينية ، ومنها النظام الإسلامي، فإنها لا تعطي
الناس هذه الحرية ، بل تكل الأمر إلى الدين .
الثاني : أتعني أن كل قانون يحل أو يحرم إنما يصدر بإجماع الناس ؟
الأول : كلاَّ ؛ فأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك ، وإنما الذي يصدره هم غالبية
الناس .
الثاني : لكن غالبية الناس ليست هي التي تصدر القوانين في البلاد
الديمقراطية العلمانية ، وإنما الذي يصدرها هو المجالس التشريعية .
الأول : نعم ! لكن هذه المجالس تتكون من أفراد اختارهم الناس بالأغلبية ؛
فهم يعبرون عن أفكارهم .
الثاني : تعنى أنهم يعبرون عن أفكار من صوَّت لهم .
الأول : لكن يستحيل واقعاً أن يكون الأمر على غير ذلك .
الثاني : نعم ! ولكنك تعلم أيضاً أنه حتى قولنا بأنهم يعبِّرون عن رأي
الأغلبية التي انتخبتهم ليس بصحيح ؛ لأن هذه الأغلبية لا تستشار ، ولو
استشيرت لما كان لأغلبيتها رأي في غالبية القوانين ؛ لأنها تحتاج إلى معرفة
لا تتوفر لهم .
الأول : لكن تبقى مع ذلك الحقيقة بأن هؤلاء قوم رضيهم الناس حكاماً لهم ،
وأوكلوا إليهم إصدار ما يرونه مناسباً من القوانين .
الثاني : إذن ؛ فالناس في البلاد الديمقراطية العلمانية رضوا بأن يكون
المشرعون لهم بشراً مثلهم .
الأول : أجل ! وهذا ما يمتازون به .
الثاني : واشترطوا عليهم أن تكون تشريعاتهم في إطار الدستور ، ولم يتركوهم
أحراراً يشرعون ما شاؤوا .
الأول : نعم ! لأن الاستقرار السياسي لا يتوفر إلا بشيء كهذا .
الثاني : ما الفرق بيننا وبينهم ؟ نحن أيضاً يمكن أن تكون لنا مجالس
تشريعية يختار الناس أعضاءها ويعطونهم حق التشريع على شرط أن لا يكون
مخالفاً للقانون الأعلى للبلاد الذي يسمى دستوراً . والذي هو بالنسبة لنا
كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
الأول : لكن دستورهم هو نفسه من وضعهم ، وبإمكانهم أن يغيروا فيه ما شاءوا
.
الثاني : لكن دستورهم أيضاً يتضمن مواد كتلك المتعلقة بما يسمونه حقوق
الإنسان ليس لأحد أن يغيرها .
الأول : نعم ! لأن هذه حقوق لكل إنسان بما هو إنسان ، فلا يجوز لأحد أن
يجور عليها .
الثاني : من الذي أعطاها هذه المكانة ؟ وعلى كل فأنا لا أريد أن نخرج عن
موضوعنا لنتحدث عن حقوق الإنسان ، فلعلنا نفعل ذلك في مناسبة أخرى . فلنعد
إلى موضوعنا إذن !
الأول : حسن .
الثاني : أردت أن أقول لك إنه ليس لهم علينا فضل في كون دستورهم من
اختراعهم ؛ لأنه إذا كانوا هم بمحض اختيارهم رأوا أنه من مصلحتهم أن يشرِّع
لهم بشر مثلهم ؛ فنحن أيضاً فكَّرنا لأنفسنا ورأينا أنه من مصلحتنا أن نرضى
بما شرعه لنا ربنا الذي خلقنا ، والذي هو أعلم منا بما هو مفسد أو مصلح لنا
، والذي هو رحيم بنا لا يأمرنا إلا بما ينفعنا ، ولا ينهانا إلا عما فيه
ضرر علينا . لا فرق إذن بيننا وبينهم من حيث مبدأ الاختيار . فكما أنهم
اختاروا بحريتهم ، فنحن كذلك اخترنا بحريتنا ، ولم يجبرنا ربنا على الرضى
بما شرع لنا ، وإنما ترك الأمر لنا نحن البشر ] فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ ( الكهف : 29 ) ونحن اخترنا بتوفيق من ربنا أن
نؤمن. فلا فضل لهم علينا إذن من حيث مبدأ حرية الاختيار ، وإنما الفضل لنا
نحن الذين أرانا الله الحق حقاً ووفقنا لاتباعه .
الأول : لكن الذي اخترتموه دين ، والناس يختلفون في أديانهم ، ومجتمعاتنا
المعاصرة مجتمعات متعددة الأديان ، ولا بد لكل مواطن فيها من أن تكون له
حقوق مساوية لغيره بغض النظر عن دينه .
الثاني : فكيف حلت العلمانية هذا الإشكال ؟
الأول : حلته حلاًّ يسيراً ، هو أن تُقصَى الأديان عن الحكم حتى يكون لكل
مواطن الحق في أن يتقلد أي منصب سياسي من رئاسة الدولة إلى ما دونها مهما
كان دينه أو اعتقاده .
الثاني : ونحن أيضا نفعل ما فعلوا : نقصي كل الأديان عدا الإسلام عن الحكم
وكما ...
الأول مقاطعاً : لكنهم أقصوها كلها ولم يستثنوا منها واحداً كما تفعلون .
الثاني : تعني أنهم أقصوها كلها ما عدا الدين العلماني .
الأول : لكن العلمانية ليست ديناً .
الثاني : أجل إنها واللهِ لَدينٌ بمفهومنا العربي الإسلامي ! لكنها شر دين
.
الأول : ما ذا تعني ؟
الثاني : أعني أن الدين عندنا هو كل أمر يدين به الناس ويعتادونه ويمارسونه
في أي جانب من جوانب حياتهم المادية والروحية سواء كان من عند ربهم أو كان
من اختراعهم . ألم تسمع قول الشاعر العربي عن ناقته التي اجهدها بكثرة
الترحال :
إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين تقول
إذا شددت لها وضيني : أهذا دينه أبداً وديني ؟ أكل الدهر حل وارتحال ؟ أما
يبقي عليَّ وما يقيني ؟
الأول : لكنك تعلم أن الشاعر استعمل الدين هنا بمعنى العادة ؛ فما علاقة
ذلك بأنظمة الحكم ؟
الثاني : لا جدال في أنه استعمله بمعنى العادة ؛ ولكن ألا ترى أنه إذا كان
اعتياد الحل والترحال وهو أمر واحد في حياة رجل وناقته يسمى ديناً ، فمن
باب أوْلى أن يسمى كذلك اعتياد ما كان أشمل نطاقاً وأكثر عدداً . ثم إن
القرآن الكريم استعمل الدين بهذا المعنى العربي ، ألم تسمع قول الله تعالى
عن يوسف وأخيه : ] مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إِلاَّ
أَن يَشَاءَ اللَّهُ [ ( يوسف : 76 ) فالمقصود بالدين هنا ما نسميه الآن
بالقانون . وفي القرآن الكريم أيضاً يطلق الدين على الهدي الذي أنزله الله
تعالى وأرسل به رسوله ، كما يطلق على ما يدين به الناس في الواقع سواء كان
موافقاً لذلك الدين الحق أو مخالفاً له . يبين لك ذلك بوضوح حديث
الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فيه أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على
رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها ؛ فالدين الذي يجدد هو ما يدين به الناس
. أما الدين النازل من السماء فلا يحتاج إلى تجديد ؛ لأنه لا يَخْلَق .
وتجديد ما يدين به الناس هو جعله موافقاً للدين الحق .
الأول : هذا تفسير غريب للدين ، وهو مخالف لما اصطلح عليه الناس ، ولا سيما
في البلاد الغربية العلمانية التي هي موضوع حديثنا .
الثاني : لكن هل من الإنصاف أن يكون النقاش دائماً وفق تصوراتهم ومصطلحاتهم
؟ لماذا لا نفهمهم أن هنالك اختلافاً بيننا حتى في تصورنا للدين ؟ على كل
أنا لا أريد للحوار أن يتحول إلى جدل عن الألفاظ . المهم أن تتضح المعاني ؛
وإذا اتضحت فلا مُشاحَّة في الألفاظ . ألا يمكن أن نترك كلمة الدين ونستعمل
بدلاً عنها كلمة تنطبق على العلمانية وما يسمونه هم ديناً ؟ ما رأيك في
عبارة منهاج الحياة ؟
الأول : لا بأس بها .
الثاني : أرجو أن يتضح لنا من استعمالها أن القول بأن النظام العلماني نظام
محايد بين الأديان إنما هو خرافة راجت على كثير من الناس .
الأول : أظنني من المصدقين بهذه الخرافة ؛ فهلاَّ أوضحت لنا ياسيدي المنكر
للخرافات دليلك على كونها خرافة ؟
الثاني : هب أننا قلنا لإنسان منصف : إن هنالك نظامين ( أ ) و ( ع )
وأعطيناه الجدول الآتي :
النظام أ النظام ع
- إنِ الحكمُ إلا الله - إن الحكم إلا للشعب
- يباح للرجل أن يتزوج مثنى - لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من وثلاث ورباع
واحدة
- يأخذ الورثة حقهم أوصى بذلك - إنما يرث من أوصى له المورث ولو المورث أم
لم يوص كان حيواناً ، وإذا لم يوص فللدولة أن
تتصرف في ماله
- الخمر حرام - الخمر حلال
- لا تكون علاقة جنسية إلا بين متزوجين - تباح
العلاقة الجنسية بين كل بالغين تراضيين رجلاً وامرأة أو رجلين أو امرأتين
- الربا حرام - الربا حلال
الأول : ما أظنه سيستطيع إذا وضع الأمر بهذه الطريقة .
الثاني : ولا طريقة غيرها . إذن فيجب على من يريد أن يكون مسلماً أن لا
يخدع نفسه . إنه لا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً ويكون مع ذلك راضياً
بالعلمانية نظاماً للحكم . فإما هذا أو ذاك .
الأول : نعم ! إن منهاج الحكم العلماني يُقصي غيره من مناهج الحكم ؛ لأنك
لا يمكن أن تطبق منهجين مختلفين في وقت واحد كما يتضح ذلك من جدولك . لكن
ميزته على المناهج الأخرى ومنها المنهج الإسلامي أنه يفرق بين إقصاء
الأفراد وإقصاء المناهج .
الثاني : ماذا تعني ؟
الأول : أعني أنه يعامل الأفراد جميعاً معاملة متساوية باعتبارهم مواطنين
من حق كل واحد منهم أن يتقلد أي منصب سياسي في الدولة إذا ارتضاه الناس .
الثاني : بشرط أن يكون حكمه وفقاً للدستور العلماني الذي يُقصي منهجه عن
الحكم إذا كان مسلماً .
الأول : أجل ! وأظننا قد اتفقنا على الأمر البدهي الذي يقضي باستحالة الجمع
بين منهجين في الحكم مختلفين .
الثاني : لكن معنى هذا أنك تعطي المسلم الأمريكي مثلاً الحرية في أن يكون
رئيساً بشرط أن يتخلى عن دينه .
الأول : كلاَّ ! فبإمكانه أن يظل مسلماً يصلي ويصوم ويحج ويفعل كل ما يأمره
به دينه .
الثاني : إلا في ما يتعلق بالحكم .
الأول : نعم .
الثاني : لكن المسلم المخلص لدينه العارف به لا يرضى بهذا ؛ لأنه يعرف أن
دينه كلٌّ لا يقبل التجزئة ؛ فالذي ينكر بعضَه فقد أنكره كلَّه . قال تعالى
: ] أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا
جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ [ (
البقرة : 85 ) وهذا هو الذي يشترطه النظام العلماني على المسلم .
الأول : لكن النظام الإسلامي لا يعطيه حتى هذا القدر .
الثاني : النظام الإسلامي لا يمنع غير المسلم أن يكون مسلماً ، وأن يتأهل
بذلك أن يكون حاكماً للمسلمين . لكن الإنسان كما ذكرنا لا يكون مسلماً إلا
إذا آمن بالدين كله ؛ لأن نظام الحكم في الإسلام غير منفصل عن شرائعه
الأخرى ؛ بل إن هذا هو الحال في الديانات الأخرى ، وما زال هو الذي يراه
بعض اليهود وبعض النصارى الرافضين للنظام العلماني ، والذين يصفون
العلمانية كما نصفها بكونها ديناً محارباً لأديانهم .
الأول : نعم ! إنهم ليفرضون عليهم هذا باعتباره الدستور الذي ارتضته
الأغلبية ، لكنهم بعد ذلك يسمحون لهم بما لا يتعلق من دينهم بأمر الحكم .
الثاني : ونحن أيضاً نسمح لهم بما ذكرت ، بل إننا لنعطيهم أكثر مما تعطيهم
العلمانية الديمقراطية .
الأول : لكنهم يرون أن نظام الحكم الذي تفرضونه عليهم هو دينكم وهم لا
يرضون أن يُفرَض عليهم دين ليس بدينهم .
الثاني : نحن لا نفرضه عليهم بكونه ديناً بمعنى كونه عبادة يتقربون بها إلى
الله ، وإنما نفرضه عليهم باعتباره نظاماً للحكم ارتضته أغلبية المواطنين ؛
ولا فرق في هذا بيننا وبين النظام العلماني الديمقراطي . فإذا كانوا وهم
الأغلبية في البلاد الغربية العلمانية قد رضوا بأن يُقصوا دينهم عن الحكم ،
ويرضَوا بالعلمانية بديلاً ؛ فما الذي يمنعهم حيث يكونون أقلية في البلاد
الإسلامية من أن يرضوا بإقصاء دينهم عن الحكم والرضى بالحكم الإسلامي
باعتباره اختيار الأغلبية في البلد الذي يعيشون فيه .
الأول : يبدو من كلامك هذا أنك تكاد ألاَّ ترى في الحياة العلمانية الغربية
الديمقراطية أي حسنة .
الثاني : أنا لم أقل ذلك وإنما كنت أرد ظنك بأن نظامهم يفضُل النظام
الإسلامي .
الأول : أفهم من ذلك أنك ترى في الحياة الغربية جوانب حسنة ؟
الثاني : لا شك في ذلك . بل أرى أن في كل أمة من الأمم بعض الجوانب الخيرة
. أقول هذا ديناً ؛ لأنني أعتقد أنه لا يمكن لإنسان لا خير فيه ألبتة أن
يرى الخير الذي في الدين الحق فيؤمن به . وما دام هذا الدين قد جاء للناس
جميعاً ، فلا بد أن الله سبحانه وتعالى جعل فيهم من الخير ما يمكِّنهم من
رؤيته حقاً .
الأول : هلاَّ ذكرتَ لي بعض هذه الجوانب الخيرة ؟
الثاني : الحديث في هذا قد يطول ؛ فلأكتف لك بذكر أحسن ما أراه عندهم ،
أحسن ما عندهم هو هذا التطور الكبير في العلوم الطبيعية وما بني عليه من
تقنية في شتى جوانب الحياة ومنها الجانب العسكري . وقد كنت أتمنى لو أننا
ركَّزنا على هذا الجانب العلمي التقني فيما نأخذه من الغرب ، لكن
العلمانيين في بلادنا شغلونا بمثل هذه القضايا التي كنا نتحدث عنها الآن ؛
لأنهم لسذاجتهم ظنوا أن السبب الأساس لتطور الغرب هو فصله للدين عن الدولة
. وقد كان هذا التركيز على الجانب الثقافي في التجربة الغربية هو السبب
الأساس لضعفنا وعدم تطورنا ؛ لأنه كان السبب الأساس في النزاع بيننا ؛ وأنت
تعلم أن الأمم لا تستطيع أن تحقق إنجازاً كبيراً دينياً أو دنيوياً وهي
منقسمة على نفسها متنازعة فيما بينها . فأسأل الله تعالى أن يجمعنا على
الخير ، وأن يوفقنا إلى الأخذ بأسباب النهضة والقوة والرفعة في كل جوانب
حياتنا المادية والروحية .
الأول : آمين .
|
من هو الشيخ جعفر شيخ
إدريس؟
|