|
|
|
|
|
إن الذي يتبادر إلى الذهن من
عبارة العدالة الدولية أن تكون أولا عدالة مستندة إلى قانون اشتركت في وضعه
وأجازته كل الدول أو غالبيتها. وثانيا أن تكون المحكمة التي تطبق هذا القانون من قضاة وافقت عليهم ورضيت
عنهم الدول. وثالثا أن تكون حاكمة على كل الدول بغير استثناء ولا تحيز، ورابعا
أن تتفق الدول على ما يضمن حياد القضاة ونزاهتهم. وهذا يقتضي خامسا أن لا يكون
وراء حكم المحكمة اعتبارات سياسية ووطنية وغير ذلك. فلننظر إلى ما يسمى بمحكمة
الجنايات الدولية في ضوء هذه الشروط. نرى أولا أن الذين كونوها
ووضعوا نظامها وقوانينها هم حفنة من الدول الأوربية ثم طلبوا من بقية الدول أن توافق عليها فوافق
بعض ورفض بعض. ونرى ثانيا أن ولايتها لا تسرى على الدول الكبرى أمريكا والصين
وروسيا، بل إنها لا تستطيع أن تحاكم جنديا واحدا أمريكيا ودعك عن رئيس الدولة
الأمريكية. ونرى ثالثا أمرا عجبا هو أن مجلس الأمن (وفيه أمريكا والصين وروسيا) جعل لهذه المحكمة ولاية على كل ما عداها من
الدول، فلم يعد هنالك فرق بين من وافق على المحكمة ومن لم يوافق عليها كالسودان.
لا غرابة إذن في أن تستنكر
معظم دول العالم قرار هذه المحكمة بتوقيف رئيس جمهورية السودان. وقد انقسم الناس في السودان
إزاء هذا القرار إلى ثلاث فئات أقلية ضئيلة تصف حكم الممحكمة
بالعدالة الدولية وتطالب الرئيس بتسليم نفسه لها. تنطلق هذه الفئة من موقف معارض
أصلا للرئيس وهي إنما تستغل حكم هذه المحكمة لتجعله وسيلة من وسائل حربها له وإن
غلف بعضهم هذا بغلاف المطالبة بالعدالة. الحقيقة أنهم كانوا سيوافقون على قرار
مثل هذا حتى لو صدر من هيئة كونتها مجموعة من تجار المخدرات. إن العدالة أمر لا
اختلاف عليه. ولكن ما كل من ادعاها فهو مؤمن بها أوممارس لها. إننا أهل دين يقوم
كله على العدل. قال الله تعالى وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ (المائدة: 2) قال الإمام ابن كثير تعليقا
على هذه الآية الكريمة : "فالعدل واجب على كل أحد مع كل أحد في كل
حال" أقلية ثانية لا ترى مثل هذا الرأي لكنها تقول إننا أمة ضعيفة
ونخشى أن يكون وقوفنا في وجه الدول الكبرى التي هي وراء هذه المحكمة سببا في
إلحاق أضرار بالغة ببلدنا. ولذلك فيحسن لنا أن نكون واقعيين و نستسلم لقراراتها
ولا نعرض بلادنا لمثل ما تعرضت له البلاد التي وقفت في وجه هذه الدول من عقوبات
لا يتحملها الوطن. أقول لا شك أنه من العقل أن لا تعرض الأمة نفسها لمخاطر لا
تقوى على مواجهتها. لكن هذا ينبغي أن لا يجعل ذريعة لعدم التضحيات وفعل ما يمكن
للأمة فعله وإلا كانت أمة ذليلة كلما هددها عدو رضخت واستسلمت وربما كان ما
تفقده بالاستسلام أكبر مما تفقده بالمواجهة وبالتضحيات. ثم إنه لا بد من فعل شيء
لإنهاء غطرسة هذه الدول وجعلها تخسر أكثر مما تكسب بهذه الغطرسة. وهذا طريق سارت فيه بعض الدول في العالم
وحققت شيئا من النجاح. ونحن يشرفنا أن نكون أول بلد بادر بمقاومة هذه الصورة
القانونية من صور الاستعمار الحديث. الفئة الثالثة أغلبية
ساحقة من المواطنين من كل الأحزاب
والاتجاهات في السودان وفي العالم العربي والإسلامي والأفريقي وفي بلاد
أخرى ترفض حكم المحكمة رفضا باتا
وتعتبره حكما جائرا لا عادلا، وترى فيه إهانة للأمة السودانية. وقد آزرت السودان
في موقفه هذا دولتان كبريان هما الصين وروسيا. فلماذا نستسلم ونخذل من وقف معنا؟ |
الصفحة الأولى
المقالات
الكتب والبحوث
|
||