كلمة عن مهمة الرسل ومهمة الداعية مع تعقيب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

كلمة لفضيلة الشيخ جعفر شيخ إدريس عن مهمة الرسل ومهمة الداعية

وتعقيب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

قال فضيلة الشيخ جعفر :

       أعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وبعد : فإن الله تعالى قد حصر مهمة الرسول في البلاغ فقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النور:54] . وكرر الله هذا المعنى في آيات كثيرة وكما أنه سبحانه وتعالى بين للرسول صلى الله عليه وسلم  مهمته فقد بيَّن له أيضاً  نتائج هذه المهمة وما لا يتصل بهذه المهمة كي لا يشغل نفسه بها ، وأريد أن أتكلـم لكم في كلمات موجـزة عن بعض هذه المهام التي لا تتصل بمهمة البلاغ كما ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .

فأولاً:  ما دامت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي مهمة كل داعية يتتبع خطي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما دامت هذه المهمة محصورة في البلاغ فينبغي على الداعية أن يبلغ الرسالة كما هي وألا يزيد فيها ولا ينقص منها وأن يستمسك بها كما أنزلها الله سبحانه وتعالى وينبغي عليه

 ثانياً: أن لا يظن أن مهمته أن يُدخل الإيمان في قلوب الناس فلذلك أمر قد تكفل الله سبحانه وتعالى به ولم يتركه لنبي أو لداعية  أو لأحد من البشر ، ولكن هذا مما يصعُب على الإنسان جدا ، فالإنسان عجـول يريد أن يرى نتائج عمله  ، والناس كما قيل كأســراب القطـا مجبولون على حـب التقليد والموافقة ، فالإنسان يحـب إذا قـال للناس كلاما أن يقبلوا منه هذا الكـلام وأن يعيدوه لكي يكـونوا مثله فإذا لم يفعلـوا هذا غـره شـياطـين الإنس والجـن على أن يغير هو في دعـوته كي تناسـب ما عندهـم ولذلـك فـإن الله سبحانه وتعالـى حــذر رســوله  صلى الله عليه وسلم  من أمثال هـؤلاء فقال : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسـراء : 73 – 75]

فقـوله سبحانه وتعالى: (وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) هذا كلام في غاية الأهمية وذلك لأن دعاة الباطل والكفار ليغرون الداعية بأنه إذا غير هنا أو غير هناك أو أوّل الدين أو فسره بما يناسب أهواءهم فإنهم يحبونه ويعظمونه ، وهذا ما يحدث الآن في واقعنا ، فإن المستشرقين وأمثالهـم من الشيوعيين وغيرهم كثيرا ما يمدحون الدعاة أو المنتسبين إلى الإسلام الذين يعمدون إلى مثل هذا التغيير فيصفونهم بسعة الأفق وفهمهم العصر ويصفونهم بأنهم يجعلون الدين للناس يسرا ويصفونهم بأنهم أذكياء وبأنهم متحررون وبأنهم كذا وكذا وكذا ، وهذا يغر الإنسان فيتمادى في التحريف ، وهم لا يريدون لهذا التحريف أن يقف عند حد ، فكل ما وجدوا إنسانا أكثر تحريفا عظموه عمن هو أقل منه تحريفا لأنهم لم يرضوا عنه: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة:120] . هذه الغاية التي يريدون للإنسان الداعية أن يصل إليها.

 وإذا كان هذا قد حدث في زمان الرسول  صلى الله عليه وسلم  فإنه موجـود عندنا الآن . إن المجتمـع وإن المنحـرفين فيه كثيرا ما يضغطـون على الدعـاة بأن يفسروا الـدين وأن يؤولـوه بما يناسـب أهـواءهـم ، والداعــية المخـلــص يظـن أنه إذا استجـاب لكلامـهـم فإن هذا مما يدعـوهـم لأن يقبلــوا كلام الله سبحانه وتعالى ويقبلـوا دعـوته ولكن الله سبحانه وتعالى يحـذر الرسول صلى الله عليه وسلم  ويبين له أن الإنسان الصالح الذي يريد الـهـدى يكـفيه هذا الذي أنـزلنـاه إليه ، وأما الذي يقـترح عليه بأن نغير هنا أو نبـدل هناك لكي نستجـيب لدعـوتك فإنه لن يستـجيب أبدا ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى للرسول  صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [الأنعام:35]

 ولذلك كما قلت، في عصرنا هذا رأينا كثيرا من الناس يضيقون صبراً بكثير من أحكام الإسلام التي لا تتمشى مع أهواء العصر ، فهم يضيقون بتعدد الزوجات وبرجم الزاني المحصن لأن الغربيين يرون أن هذا من القسوة ، بل أن كل الحدود يرون أنها من القسوة ويضيقون صدرا بالربا ، لأن البنوك كلها تتعامل به ويظنون أن الحياة لا يمكن أن تسير إلا به ويضيقون صدرا بقتل المرتد لأن هذا لا يتناسب مع التسامح الديني كما هو مفهوم في الغرب ، بل إن هذا الضيق قد يصل إلى بعض العقائد ، فإن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام أصبحوا يضيقون صدرا بالمعجزات لما فيها من خوارق العادات . وقد قرأت قريبا في  كتاب ترجمة لمعاني القرآن باللغة الإنجليزية، وتعليقا عليها لم يكد الكاتب يترك معجزة من المعجزات التي وردت في القرآن الكريم إلا أؤلها تأويلا يصرفها عن معناها ، فقال مثلا في معنى قوله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) [الأعراف:171] ، إن هذا كان زلزالا ، قال في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل:1] إن هذا كان وباء وهكذا. وكما قلت قد يصل الأمر إلى بعض العقائد فيضيق الداعية صدراً بكل ما يجد في القرآن مما لا يتناسب مع أهواء العصر  بل إن هذا قد يقع فيه بعض الموحدين فيبالغون في التنزيه وفي البعد عن الخرافات حتى إنهم ليضيقون بكل ما ليس مناسبا كما قلت مع أهواء العصر مثل تقبيل الحجر الأسود ومثل رمي الجمرات وهكذا فعلينا أيها الأخوة الكرام ونحن نترسم خطى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه أن نحذر من كل هذا وأن نستمسك استمساكا شديدا بما أنزل الله سبحانه وتعالى وأن لا نلتفت إلى أهواء العصر.

المسألة الثالثة:  التي حذر الله سبحانه وتعالى الرسول  هي الحزن لأنه إذا كانت مهمتك أيها الرسول أن تبلغ فينبغي أن لا تحزن مهما كان رد فعل الناس ومها أعرضوا  قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[الكهف:6] .

 المسألة الرابعة: هي أن لا ييأس أبدا لأن الإنسان الذي ييأس هو الذي يظن أن عليه أن يهدي الناس وأن يحملهم على أن يقبلوا دعوة الله سبحانه وتعالى ، أما الذي يتذكر أن مهمته هي البلاغ فسيستمر في هذا التبليغ حتى ولو أعطاه الله سبحانه وتعالى عمرا كعمر نوح لا ييأس أبدأ لأنه يعلم أن مهمته إنما هي أن يوصل هذا الحق للناس لا أن يحملهم عليه حملا والله سبحانه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [الغاشية:20-22] ،إن هدى الله ليس من مهمة الرسول وليس من مهمة أي بشر، أي داعية (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص:56]

 أقول قولي هذا واستغفر الله سبحانه وتعالى لي ولكم وأسأله عز وجل أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز  :

       بسم الله الرحمن الرحيم  وصلى الله على رسول الله –  أما بعد:

 فقد سمعنا جميعا هذه الكلمة المباركة الطيبة التي تهم كل داعية في كل عصر ولا سيما في هذا العصر من أخينا الشيخ جعفر شيخ إدريس ، وفي الحقيقة كلامه في محله وقد أصاب وأجاد وأحسن جزاه الله خيرا في مثوبته ، هذه المسألة التي نبه عليها  وهي مهمة الرسول ومهمة الداعية وهي البلاغ والبيان والإيضاح وإرشاد الخلق إلى ما خلقوا له ، أما الهداية وقذف النور في القلب وقبول الحق وإيثاره هذا إلى الله عز وجل ليس إلى الداعية وليس إلى الرسول  صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة مسألة عظيمة قد أحسن في التنبيه عليها فإن كثيرا من الدعاة يضيقون صدرا إذا لم يستجب لهم وربما يئسوا فتركوا لضيق الأفق وعدم الصبر وليس هذا شأن الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا من أخلاقهم بل أخلاقهم الصبر وعدم اليأس وعدم الحزن ، وقد نبه الله نبيه على ذلك عليه الصلاة والسلام فجدير بالداعية أن يتأسى برسوله  صلى الله عليه وسلم  وأن يتبع خطاه وأن يحذر التغيير والتحريف من أجل الرغبة في هداية الناس ومن أجل الرغبة في مواقفهم لما يقول ، وهذا باب عظيم وخطير جدا وقد نبه الله على ذلك في الآيات التي سمعتم (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسـراء : 73 – 75] هذه الآيات فيها العظة العظيمة والتنبيه العظيم لرسولنا  وللدعاة بعه وأن الواجب أن يبلغ رسالات الله كما هي وألا يزيد فيها ولا ينقص منها أسلم الناس أم لا قبل الناس أم لا ، الأمر بيد الله جل وعلا (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة:272] . (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص:56] .

  ومعلوم ما جري للرسول  صلى الله عليه وسلم مع الناس وما فعلت قريش من قولها إن شئت جميعا لك كذا وكذا إن شئت سودناك علينا إن شئت زوجناك أحسن امرأة … الخ . كل ذلك ليصدوه عما جاء به ويصرِفوه عن دعوته ولعله يستجيب لهم فأبى ذلك واستمر في دعوته وإرشاده وتبليغه حتى أصابه ما أصابه من أذاهم الذي لا يخفى على من له علم بالسيرة في مكة ثم عزموا على قتله فخلصه الله منهم وأنجاه من شرهم وكيدهم وانتقل إلى دار الهجرة وصبر على أذى المنافقين وأذى غيرهم من أمثالهم حتى أظهر الله دينه وأعلى كلمته ونصر عبده ونبيه ونصر حرمه.

 المقصود أن هذا أمر  واضح  وأن الواجب على الدعاة إلى الله عز وجل أن يكون عندهم من التحمل والصبر على الدعوة ما يمكنهم من الوصول إلى ما أرادوا من التبلغي وإيصال الحق إلى الناس وبيان ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الهدى ثم ذلك الأمر إلى الله وحده  قال تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [النازعات:45] .  إنما أنت مبلغ ، إنما أنت مرشد إنما أنت هاد ، فمهمتك البلاغ والبيان (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى:52] .

       أما الهداية التي هي إيصال الحق إلى القلوب والرضى به وقبوله وإيثاره على الباطل هذه ليست إليك أيها الداعية ولا إلى غيرك حتى الرسل وهم أفضل الخلق ليس لهم ذلك ، فعلينا أن نتحمل الأمر وأن نصبر عليه غاية الصبر حتى نبلغ رسالات الله وحتى نبلغ أمانة الله ودعوة الله ، فمن هداه الله فالحمد لله ومن لم يهده فالأمر إليه سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكيم العليم  جلا وعلا ولهذا قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل:125-128]  فالمؤمن لا يحزن  ولا يتضايق وقد نبه الله نبيه على هذا فقال سبحانه: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:33-34]

فالداعية يتحمل ولا يحزن ولا يُهلك نفسه من أجلهم ولكنه يكون واسع البال صبورا على قد ما يصيبه من الأذى من سخرية وغير ذلك وقد صَبَر نوح عليه السلام  على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما لم ييأس وهو يدعوهم إلى الله عز وجل حتى أُوحى إليه: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [هود:36]  حينئذ دعا عليهم بقوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26]  لأنهم لا خير فيهم بعد ذلك.

 فلو عُمرت ألف سنة إلا خمسين عاما كما عُمِّر نوح عليه السلام فلا تيأس ، فالداعية قد يبتلى إما بالتغيير أو التحريف ليرضيهم لعلهم يتابعونه ، وإما بالحزن العظيم والضيق الشديد والحرج حتى يشق عليه الكلام ، وإما باليأس والعياذ بالله حتى يدع الدعوة ويقول هؤلاء لا خير فيهم لا فائدة منهم وهم في هذا العصر قد تحرفوا ولا يقبلون هداية فييأس عند هذا ويتحسر ويدع الدعوة وكل هذا غلط لأنه مخالف لهدى الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فلا يأس ولا حزن ولا مضايقة ولكنه يتحمل وليصبر قال جلا وعلا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)  [الجاثية:18-19]

فالله جلا وعلا ما أبقى شيئاً للرسل ولا لأتباعهم دون بيان ، فقد أوضح لهم الأمر (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) أي شيء واضح بين (فأتبعها ولا تتبع أهواء الذي لا يعملون) ليس لنا أن نتبع أهواءهم ولو ظننا أنهم إذا  اتبعنا بعض أهوائهم فعلوا وفعلوا وساعدونا ، إنهم لن يُغنوا عنك من أحد شيئا ، فالأمر بيده سبحانه وتعالى ينصرُ من يشاء ويُعز من يشاء ويُذل من يشاء ولو كانوا أقوى من على ظهر الأرض فربك قادر على أن يُبطل كيدهم وينصر الحق عليهم مهما كانت قواهم ومهما ضعف أهل الحق ، فربك على كل شيء قدير، ولا يخفي ما جرى يوم الأحزاب إذ تجمعت قريش وتجمع من تجمع من الأحاديث وغيرهم وجمعوا من القوى ما جمعوا حتى بلغت قواهم فيما ذكر أهل السير عشرة آلاف وعشرة آلاف لها شأن في ذاك الوقت عظيم ، عشرة آلاف توجهوا إلى المدينة وحاصروا المدينة مدة طويلة وحصل على المدينة ما حصل من الضيق الشديد فما حزن المؤمنون بل زادهم إيمانا وتسليما  ، زادهم ذلك إيمانا وتسليما وضاق بذل المنافقون وضعفاء البصائر ، ثم يسر الله للمسلمين النصر والتأييد من عنده جلا وعلا كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [الأحزاب:9-11]  فالأمر بيد ه سبحانه وتعالى زلزلهم ورجعوا خائبين ولم يصيبوا شيئا ولم يقتلوا أحدا سوى ما جرى من إصابة سعد بن معاذ من الجرح الذي انفتق عليه بعد وقعة بنى قريظة ، وصار فيها قتيل واحد من المسلمين وقتيل واحد من الكفار ، ثم انصرف الناس: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) [الأحزاب:25] .

       وأمَرَ رسـول الله  صلى الله عليه وسلم  أصحـابه بالتوجـه إلى بنى قريظـة الذي ظـاهـروا المشـركين على حـرب المسلمين وخـانوا عهـدهـم وغـدروا برسـول الله  صلى الله عليه وسلم وأصحـابه وحاصروهـم مدة رضـوا بعدهـا بأن يُحكِموا سعد بن معاذ رضي الله عنه وحكم سعد  بأن يقتل الرجال ويسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال ونزلوا على حكم سعد وقتلوا وقسمت أموالهم ، صارت ذريتهم ونساؤهم سبيا للمسلمين  ، هذه من آيات الله ومن الدلائل العظيمة على نصر الله للمؤمنين التي وقعت قبل أول  هذا الأمر ، وللدعاة وللمجاهدين ولأهل العقل عبرة وعظة في ذلك ونسأل الله للجميع البصيرة والتوفيق والهدى وصلى الله  وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وجزى الله الشيخ جعفر خيرا وبارك فيه وزاده وإياكم نعيماً وتوفيقاً وهدى .

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in المقالات, الموقع بالعربية, توجيهات دعوية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *