ثبت بطلان الجبرية الجينية

قبل بضع سنوات نظم المنحرفون من الرجال والنساء مظاهرة كبيرة في واشنطن تدَاعوا لها من بلدان العالم ، بدأ على إثرها نقاش طويل عن هذه الظاهرة ، فكان مما قاله بعض المبتلين بها أنهم لا يلامون عليها ؛ لأنها شيء ولدوا به ؛ فهو في جيناتهم الوراثية .

وقلنا لإخواننا المسلمين يومذاك : إن هذه الدعوى لا يمكن أن تكون صادقة لأسباب ينبغي أن يسلِّم بها كل مؤمن بوجود الخالق معترف بصفتين من صفات كماله هما : العدل ، والحكمة : فالخالق العادل الحكيم لا يمكن أن يغرس في فطرة الإنسان سلوكاً لا مفر له منه ، ثم يجعل ذلك السلوك محرماً عليه ، بل يعاقب عليه أشد العقوبات . والخالق العادل الحكيم إذا غرس شيئاً في فطرة الإنسان هداه إلى أحسن السبل لإشباع رغبته منه . فهو لما جعل الحاجة إلى الطعام في خلق الإنسان أمره بأن يأكل ويشرب ولا يسرف ، وأحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث . ولما جعل في الناس ميلاً جنسياً هداهم إلى الزواج وحرم عليهم الزنا ، بل فصَّل لهم أحسن الطرق للمعاشرة . فلما حرم فاحشة الشذوذ تحريماً مطلقاً ، علمنا أنه ليس لها في الفطرة أصل ، ودعك أن يكون الإنسان عليها مجبراً .

ثم إن هذه الفاحشة فاحشة إباحية لا خطام لها ولا لجام ، بل إن من شأن أصحابها المستحلِّين لها ( لا أقول من كان من أصحابها المؤمنين الذين يعلمون أنها ذنب كبير رغم ابتلائهم بها ) أن يغصبوا الناس عليها حتى لو كانوا أطفالاً كما كان قوم لوط يقطعون السبيل ويعتدون على المسافرين ، وكما أرادوا أن يعتدوا على ضيوف نبيهم حين ظنوهم بشراً . فهل يقول صاحب هذه الفاحشة إن الله – تعالى- جعل في جيناته أن يفعلها مع كل من تميل إليه شهوته من أبناء جنسه ؟ إن الميل إلى الجنس الآخر ميل طبيعي ، لكنه مع ذلك يمكن كبحه وضبطه ، ولا يجوز العدوان فيه ، فلماذا يجوز في هذا الميل المنحرف ؟ والمسلم المؤمن بكتاب ربه يقرأ فيه قوله – تعالى – : ] أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ [ ( الأعراف : 80 ) . ومن المعلوم أنه قد سبقهم إلى هذه الدنيا أجيال وأجيال من البشر ؛ فلماذا لم تفعل الجينات في جيل أو جماعة أو حتى فرد منهم ما فعلت بهؤلاء ؟ وممن ورثوها إذا لم يسبقهم إليها أحد من العالمين ؟
قلنا ذلك أو قريباً منه قبل بضع سنين ، واليوم يأتينا علماء الأحياء بحجة تقطع دابر دعوى أولئك المنحرفين المجاهرين ، وتلجم أفواه دعاتهم . لقد تبين أن الجينات لا سلطان جبرياً لها على سلوك الإنسان ، بل ولا على كل ما يتعلق حتى بحياته البدنية .
أنا لست من الذين يبتهجون لعجز العلم الطبيعي عن تفسير ظاهرة من الظواهر ، أو الذين يعدون كل إخفاق للعلم الطبيعي انتصاراً للدين . كلاَّ ؛ فإن ديننا هو دين الحق ، فلا يضره ، بل ينصره كل اكتشاف علمي . لكنني أبتهج حين يخذل التطور العلمي الملحدين والماديين فيثبت بطلان ما تعللوا به من دعاوى وتفاسير ونظريات ينصرون بها عقائدهم الباطلة وأهواءهم الضالة ، أو ينالون بها من حقائق الدين المنزل من عند رب العالمين . فليس المقصود من هذا المقال إذن إنكار وجود الجينات أو عملها أو التهوين من أمر دراستها ؛ فإنها من جملة آيات الله – سبحانه – في خلق الإنسان . لكن المقصود هو أن لا تفسر هي ولا شيء من خلق الله – تعالى – تفسيراً يتناقض مع الحقائق القاطعة المقررة في دينه ، والمقصود أيضاً أن توضع هي وغيرها من الحقائق في وضعها الطبيعي وحجمها الحقيقي الذي تدل عليه الحقائق الطبيعية والتوجيهات الإلهية .

وإليك الآن بعض ما نشر من حقائق في هذا الصدد بمناسبة ما سمي بفك شفرة الجينوم . و« الجينوم البشري ذو حجم في غاية الضآلة توجد نسختان منه مضغوطتان في نواة كل خلية من الخلايا البشرية ، والخلية هي نفسها من الضآلة بحيث لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة لكنه هائل في ما يحوي من معلومات … بحيث إنها لو طبعت طباعة عادية لملأت 75490 صفحة من صفحات هذه الجريدة » [1] .

كان كثير من الناس يظنون أن هذه المعلومات التي هي بمثابة أوامر لصنع الأشياء الحية هي التي تحتم طبيعة أجسامنا وسلوكنا . لكن الذي ثبت الآن أن الجينات ليست هي وحدها التي تؤثر في طبيعة أجسادنا وسلوكنا ، ودعك أن تحتم تلك الطبيعة . « .. يجب أن تستنتج الآن أن البيئة أهم مما كان يفترض في صياغتها للإنسان » . « إن الجينات لا تتحكم في حياتنا . لكنها مهمة »

من الحقائق الطريفة التي أظهرتها هذه الدراسة الحديثة أنه لا فرق كبير بين الإنسان وأضأل المخلوقات من حيث عدد الجينات . فجينات الإنسان تقدر الآن بثلاثين ألفاً بينما تقدر جينات الذبابة بعشرة آلاف . ولا تزيد جينات الإنسان على جينات الفأر إلا ببضع مئات . ثم إنه لا يكاد يوجد فرق يذكر بين إنسان وإنسان من حيث الجينات ؛ إذ إنه لا يعدو الواحد من الألف . ما الذي يجعل الإنسان إنساناً إذن ؟ سأل أحد علماء الأحياء نفسه هذا السؤال [2] ، فقال ساخراً : ما كنا نظن الإنسان إنما هو ثلاث ذبابات ، أو فأر وجزء من الفأر . ثم أجاب بأن الذي يميز الإنسان إنما هو وعيه . لكنه خبط خبطاً طويلاً في تفسير كيفية نشوء الوعي من الدماغ . أما الذي لا يشك فيه المسلم هو أن أهم ما يميز الإنسان إنما هو الروح التي نفخها الله فيه ، والتي كان الوعي من آثارها أو أعمالها . لكن المسلم يقول أيضاً : إن الإنسان إن كان لا يتميز كثيراً عن الحيوانات من حيث عدد الجينات ، فمما لا شك فيه أنه يتميز عنها حتى في جسده تميزاً مشهوداً : ] لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [ ( التين : 4-5 ) . وصدق الله ربنا رب العالمين .
________________________
(1) (عدد 11 فبراير/ 01 من جريدة النيويورك تايمز) .

(2) (انظر جريدة واشنطن بوست ، صB1 ، تاريخ 18 فبراير من هذا العام) .

مجلة البيان العدد 163 , ربيع الأول 1422 هـ

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in الإسلام والمفاهيم المعاصرة, المقالات, تعليق على أحداث. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *