بشاعة التمثيل بالجثث

الإسلام غايات ووسائل. فكما أن الله سبحانه وتعالى يحدد لعباده غايات نبيلة، فإنه يلزمهم بوسائل شريفة لبلوغ تلك الغايات النبيلة. إنه لا يحدد الغايات ثم يترك للعباد محاولة السير إليها بأي طريق شاؤوا. إن الوسائل عبادة كما أن الغايات عبادة لا يجوز أن يتجاوز فيها  حدود الشرع.

فمن الغايات النبيلة التي جعلها الله تعالى وصفا ثابتا لعباده المؤمنين يعبر عن عزتهم ويحفظ لهم كرامتهم أنهم لا يقبلون الضيم ولا يرضون بالهوان بل (إذا أصابهم البغي هم ينتصرون). يدخل في هذا الانتصار الدفاع عن الوطن والمال والولد، دفاعا يصل درجة القتال (وما لنا ألاَ نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا).

لكن الله تعالى جعل لقتال الأعداء المعتدين حدودا يجب الالتزام بها. من هذه الحدود التي يجب أن يقف عندها المسلم عدم التمثيل بجثث المقتولين تشويها أو تقطيعا أو حرقا. إن قتل المعتدي يكفي لرد شره ولعقابه، فالتمثيل بجثته أمر زائد لا يحقق غرضا بل يسبب أضرارا. من أضراره أنه يشبه فعل الحيوانات والتشبه بالحيوانات في السلوك أمر غير مشروع حتى في المسائل التي تبدو صغيرة. فالمسلم لا يحعل جلوسه في صلاته كإقعاء الكلب ولا يجعل سجوده كنقر الغراب ولا يلبس جلود النمور،  وهكذا. فيكف بالتشبه بالحيوانات في تقطيع الجثث وجرها في الشوارع؟ ئعم  إن المرء إنما يلجأ إلى مثل هذا السلوك إمعانا في التعبير عن غضبه وكراهيته لعدوه. لكن المسلم مأمور بأن يضبط نفسه ولا يخرج عن حدود العدل حتى في معاملته لعدو يكرهه ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى)

وإن من الغايات النبيلة التي ندب الله المسلمين إليها أن تكون صورتهم حتى عند أعدائهم صورة  خلقية جميلة . ولذلك منعهم من الإقدام على أي عمل يشين هذه الصورة في أذهان الأعداء. من ذلك أن الله تعالى ذكر من حكمته في عقد الصلح مع كفار مكة وعدم قتالهم أنه لو حدث قتال لقتل المسلمون إخوانا لهم بمكة لا يعلمون أنهم أسلموا، لكن الذين يعلمون ذلك كانوا سيعيرونهم بفعلهم ويشيعون الدعايات عنهم (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم)

وقد حدث شيء من هذه المعرة لنا عند مشاهدة الناس لصور تلك الجثث تقطع وتحرق. إن كثيرا من الناس ـ حتى في الولايات المتحدة ـ يرون أن جنودهم هم المعتدين، وأن من حق العراقيين اللجوء إلى حمل السلاح دفاعا عن وطنهم، لكنهم جميعا يستبشعون بفطرتهم ذلك المنظر، وهذا من شأنه أن يقلل من تعاطفهم معنا ومن نقدهم لحكوماتهم المعتدية.

وأكبر ضرر ينتج عن مثل هذا العمل أنه يؤخر نصر الله تعالى إذ أن الله تعالى إنما ينصر من ينصره، وإنما ينصره الناس بطاعتهم له سبحانه، فكلما قلت الطاعة وكثرت التجاوزات قلت فرص النصر. وإذا كان الذين ارتكبوا تلك الافعال أناساً من عوام المسلمين لا علم لهم بهذا الذي نتحدث عنه، فإن من حق من يعلمون أن يرفعوا أصواتهم بإنكاره رفعاً يسمعه غير المسلمين.

إن الدفاع عن االوطن واجب وهو من الجهاد في سبيل الله، لكنه لا يكون بالإساءة إلى دين الله وصد الناس عنه.

9 أبريل 2004 الموافق 19 صفر 1425

 

 

 

 

 

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in المقالات, الموقع بالعربية, تعليق على أحداث, توجيهات دعوية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *