المعتقدات والمصالح

قـال صحـافي ومحـلل سياسي عربي كبير: إن السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على المصالح وأنها لذلك لا تتـغير، وكـأنـه كان يعني أن أيديولوجيات الساسة الحكام لا تغير من هذه الحقيقة.

كثيراً ما نسمع مثل هذا الكلام الذي يُفرِّق أصحابه بين المعتقدات والمصالح، وكثيراً ما يقصـدون به التقـليل من قيـمة المعـتقدات. لكن الحقـيقة أن هـنالك صلة قوية بين الأمرين؛ فالمعتقدات والتصورات هـي العدسـات التي ينـظر الناس بها إلى الأمور فيقررون ما هو مصلحة للوطن وما ليس بمصلحة؛ فالشيء الواحد قد يبدو مصلحة بمنظار اعتقادي معين ويبدو مفسدة بمنظار آخر.

هل من مصلحة أمريكا أن تنحاز لإسرائيل وتعدها كأنها ولاية من ولاياتها التي لا قيام لها بنفسها والمحتاجة دائماً إلى مساعدة يتكلفها دافع الضرائب الأمريكي؟

إذا نظرت إلى الأمر من ناحية المصلحة المادية ــ كما يفعل بعض الأمريكان الآن ــ فإنك ستقول: إن هذا الموقف ليس من مصلحتها؛ بل إن مصلحتها في أن تصادق العرب الذين هم أكثر عدداً، وأعظم سوقاً، وأكثر موارد طبيعية. لكن سياسياً كبوش وإن سلم لك بذلك قد يقول ـ بناء على معتقده ـ: لكن أمريكا بلد نصراني ونحن نعيش في زمان أظـله ظهـور السـيد المسيح، ونحن نعلم أنه سيظهر في هـذه المنطقة؛ فمن مصلحتنا أن نهيئ الجو لظهوره. وهذا لا يكون إلا بالانحياز لإسرائيل حتى لو كان انحيازاً على حساب بعض المصالح المادية التي ذكرتها.

ولولا أن المعتقدات ذات تأثير كبير على نظرة الناس إلى المصالح لما تعددت الأحزاب والجماعات في البلد الواحد؛ فالإنجــلـيزي أو الأمـريـكي الذي مــا يزال يؤمن بالاشتراكية أو ببعض جوانبها يرى من مصلحة وطنه أن يتبنى سياسة تحدُّ من غلواء الرأسمالية، ويبني على ذلك تصوره لسياسات عملية تحـقـق هـذه الفكرة. أما أنصار الفـكر الرأسـمالي فيرَون أنه لا طريق غيره إلى نهضة اقتصادية يستفيد منها كل المواطنين مهما أدت إلى تفاوت شاسع في نصيبهم من الثروة.

ولأن كثيراً من الناس يتصورون المصلحة تصوراً يجعلها مستقلة عن المعتقدات؛ فإنهم يفترضون أن ما يسمى بالمصلحة الوطنية هو شيء واحد يشترك في رؤيته كل المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. فكما أن اختلافاتهم الاعتقادية لا تجعلهم يختلفون في رؤيتهم للشمس والقمر والجبال والأشجار؛ فكذلك لا تمنعهم من الاتفاق على ما هو مصلحة للوطن.

مما لا شك فيه أن هنالك مصالح ظاهرة قد يراها كل الناس رؤية واحدة بغض النظر عن معتقداتهم؛ فكل الناس يتفقون الآن فيـما يـبدو على أنه، إن صح قول العلماء بأن ما تنفثه المصانع والسيارات من غازات قد أثَّر على طبقة الأوزون، وأن هذا قد أدى إلى زيادة في درجات الحرارة العالمية، وأن هذا الأمر إن لم يُتدارَك فسيؤدي إلى ذوبان الجليد، ومن ثم إلى زيادة مياه البحار وما ينتج عن هذا من فيضانات ستغرف بسببها بلاد كثيرة.. أقول: إن هذا أمر قد يتفق الناس على كونه ضاراً إن حدث.

أقول (قد) لأن مؤلفًا أمريكياً(1) يقول: إن من يسميهم بغلاة النصارى، الذين يمثلون ما يقارب الأربعين بالمئة من أنصار بوش، يرون في كوارث مثل: تسونامي، وارتفاع درجات الحرارة، ومشكلات الطاقة والديون الأمريكية، والنزاع بين العرب وإسرائيل، وغزو العراق، يقول: إنهم يرون في كل هذا مبشرات بقرب مجيء المسيح. فهي إذن ليست بالشيء الذي يسوؤهم أو الذي يحاولون تغييره.

لكن ما كل ما يُعَدُّ مصلحة أو مفسدة هو من هذا النوع الذي قد تراه كل النظرات الأيديولوجية رؤية واحدة.

ما النظام الاقتـصادي المناسب للبلد؟ ما نوع التعليم المفيد لأبنـائنـا؟ ما الأقطار التي يجب أن نحسن علاقاتنا بها؟ إلى أيِّ مدى تتاح حرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية الاعتقاد، وحرية التنظيامات والاجتماعات، وحرية العلاقات الجنسية، وحرية التجارة؟ هذه وأمثالها من الأمور التي لا يتوقع اتفاق كل المواطنين عليها إذا كانت بينهم اختلافات أصولية دينية أو مذهبية أو فلسفية؛ إذا كان بعضهم مسلمين وبعضهم نصارى وبعضهم علمانيين؛ بل حتى إذا كان بعضهم شيعة وبعضهم سنة. إنه ليس في الانتماء إلى الوطن أيّاً كان نوعه، وليس في الإخلاص له مهما كان قدره، ما يحتم على المواطنين إجابة معينة عن تلك الأسئلة، بل إن أجوبتهم عليها لا بد أن تتأثر بمعتقداتهم وتصوراتهم.

إن المواطَنَة ليست مجرد انتماء شكلي إلى أرض يحدها من الشمال كذا ومن الجنوب كذا ومن الشرق كذا ومن الغرب كذا. هذا انتماء حيواني يستوي فيه البشر والبقر والوطن والزريبة. إن المواطنين بشر لا بقر؛ بشر لهم قيمهم وتصوراتهم ومعتقداتهم، واهتماماتهم التي تتجاوز حدود الحاجات المادية. والوطن ليس زريبة؛ وإنما هو مأوى قومٍ حَدَثَ بينهم قدرٌ كبير من التجانس في القيم حتى صار من الممكن وصفهم في الجملة بخصائص معينة تميزهم عن غيرهم.

غير ذلك كان يقال لنا إلى زمان قريب، وكان يظن كثير منا بسببه في سذاجة أن الديمقراطية تسوي بين المواطنين بغض النظر عن أعراقهم وألوانـهم ومعـتقداتـهم وقيـمهم، بل تعدهم جميعاً مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وتحل مشكلة اختلافاتهم في المعتقدات والقيم والفلسفات بصناديق الاقتراع.

لكننا نرى اليوم كيف أن الغرب يضيق بالمواطنين المسلمين مع أنهم قلة، وكيف أنهم صاروا يطالبونهم بأن يجعلوا إسلامهم إسلاماً فرنسياً أو إنجليزياً أو أمريكياً، وكيف بدؤوا يتحدثون عن قيمهم الغربية وبعتزون بها ويدافعون عنها ويدَّعون تفوقها على القيم الإسلامية، ويطلبون ممن لا يشاركهم فيها ألاّ يشاركهم في الوطن الذي يعدونه في أساسه وطناً لأصحاب تلك القيم.

والذين يعرفون الديمقراطية يعرفون أن هذا ليس بالشيء الجديد عليها، بل كانت كذلك منذ نشأتها في أثينا، ومنذ أن عادت إلى أوروبا وأمريكا. إنها لم تكن أبداً ديمقراطية لكل الناس مهما كانت الخلافات بينهم؛ إنها اليوم ديمقراطية علمانية ليبرالية لا مكان فيها لمن لا يلتزم بهذه القيم.

سيقول الذين لا يعلمون: كيف وهم لا يمنعون أحداً من دخول مجالسهم التشريعية حتى لو كان مسلماً؛ كما نرى اليوم في بريطانيا والولايات المتحدة؟ نعم، إنهم يفتحون الباب لكل أحد ولكن بشرط أن يكون ملتزماً بتلك القيم السياسية. ولكن حتى هذا لن يدوم طويلاً إذا ما بدأ المسلمون يكثرون ويزداد تأثيرهم . لقد كانوا إلى وقت قريب يتحدثون عن المجتمع المتعدد الثقافات؛ أما اليوم فقد كثر الحديث عن ضرورة التجانس والتلاحم، ويعنون به التلاحم الثقافي. وصاروا يأخذون بسبب ذلك على المسلمين لِكون دينهم يمنعهم من مثل هذا الذوبان في مجتمع غير مسلم، ويجعلهم يعيشون في عزلة اختيارية عنه.

نعم، إن الوطن يكون أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على التطور وعلى الدفاع عن نفسه كلما كان أكثر تلاحماً وكلما قلت الخلافات الأصولية بين مواطنيه، لكن ما كل اتفاق على مبدأ أو ثقافة ـ أيّاً كانت ـ هو مما ينتج هذا التلاحم. بل إن بعض المعتقدات والثقافات من شأنها أن تحدث هي نفسها عداوة بين المنتمين إليها.

ونعم إن الاتفاق على معتقد معين حتى لو كان عبادة للأوثان ينتج ما يسميه القرآن الكريم مودة بين المعتقدين، وقد يدعوهم لأنْ يتحدوا في مواجهة ما يعدونه خطراً عليهم أجمعين.

بيـد أن الـذي يُحـدِثُ التلاحمَ الحقيقي بين الناس ويجـعـل منـهم إخـوة متـحابـين هــو المعـتـقد الحـق الـذي لا تنـاقض فـيه. أما المعتـقدات الباطلة المـتناقضة فمن شأنها أن تفرق هي نفسها بين المنتمين إليها، حتى إنك لتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ولذلك قال أحد السلف (أهو مجاهد؟) مفسراً كثرة الانشقاقات بين الخوارج: «لقد كـان أمـر الخـوارج باطـلاً فاخـتلف، ولو كان حقاً لأْتَلَف» أو كما قال.

نحن لا ندعو إلى ما يدعو إليه الغربيون من إجبار كل الناس على الالتزام بالقيم السائدة في المجتمع؛ فقد تسامحت مجتمعاتنا الإسلامية كلها مع اليهود والنصارى وسمحت لهم أن يعيشوا بين ظهراني المسلمين. إن المهم لاستقرار المجتمع أن تكون هنالك ثقافة غالبة تبنى عليها السياسات الاقتصادية والسياسية والتربوية التعليمية والخارجية وغيرها.

ولذا فإن علينا أن نرفض رفضاً باتاً ما يدعونا إليه الغربيون (مما يفعلون عكسه في بلادهم) من جعل مجتمعاتنا ممزقة بين معتقدات دينية وعلمانية متناقضة متحـاربة، لا يكون معها استقرار ولا تطور، بل تظل نهباً لكل طامع.

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in الإسلام والمفاهيم المعاصرة, الديمقراطية, المقالات, تعليق على أحداث. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *