الحوار مجادلة جادة .. لا مداهنة

في العالم اليوم دعوات كثيرة إلى الحوار: حوار بين الديانات ولا سيما النصرانية والإسلام، أو النصرانية واليهودية، وحوار بين أهل الديانات والمنكرين لها، وحوار بين الفرق الدينية داخل الدين الواحد، وحوار خاص بين المنتمين إلى الوطن الواحد من كل تلك الأنواع. 

والحوارات تتعدد بتعدد أغراضها؛ فمنها ما يكون هدف المحاور إقناع الآخر بأن اعتقاده أو رأيه أو موقفه هو الأحق بأن يتبع، ومنها ما يكون هدفه مجرد معرفة ما عنده كي لا يكون هنالك سوء تفاهم بأن ينسب إليه ما لا يرى أو يعتقد، ومنها ما يكون الغرض منه إمكانية الوصول إلى آراء أو أهداف مشتركة تساعد على التعايش والتعاون، وهكذا.

والمسلم يرى كل هذه أهدافاً مشروعة ولا يتردد في المشاركة فيها ما لم يتصل بها ما يجعل ضررها أكبر من نفعها. 

لكن الحوار لا يكون ناجحاً ولا يحقق شيئاً من تلك الأهداف التي وصفناها بالمشروعة إلا إذا توفرت فيه بعض الشروط، وإلا إذا خلا من بعض المفسدات.

فشرطه الأول أن يكون المتحاورون صادقين مخلصين في الوصول إلى ما أعلنوا من أهداف، لا أن يكون الحوار مجرد وسيلة إلى أغراض أخرى يضمرها أحد المتحاورين أو كلاهما. من ذلك أن بعض إخواننا المسلمين اعترضوا على حوارات كانت تقام بين المسلمين وجماعات من الكاثوليك قُدِّر لي أن اشترك في واحدة منها أقيمت بأسبانيا. فلما سألناهم عن سر اعتراضهم أجابونا بأن الكاثوليك يستغلونها لأغراض تبشيرية بين بعض عوام المسلمين في بعض البلاد الإسلامية النائية، فيطلعونهم على صور علماء المسلمين جالسين معهم، مبتسمين لهم، ليقولوا لهم إنه لا خلاف بيننا وبين المسلمين 

هنالك مشكلة في الحوار مع العلمانيين في العالم الإسلامي. العلمانيون، بل الملحدون في أوروبا يعلنون عن آرائهم بصراحة ويدافعون عنها. وإخوانهم في العالم الإسلامي يودون أن لو استطاعوا أن يفعلوا ذلك، لكنهم لا يستطيعون؛ لأن المجتمع لا يقبل مثل هذا التصريح بالكفر، وربما تعرض قائله للأذى. فماذا يفعلون؟

يلجؤون إلى النفاق: يتظاهر أحدهم بأنه مسلم ولو لم تكن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ويحاول أن يجد لكفره سنداً من الدين ـ وهيهات ـ فتأتي حججه المعلنة واهية لا تنطلي إلا على بعض الجهلاء أو ضعيفي الإيمان، لكن هؤلاء لا يفيدونه بشيء. أما طلاب العلم وصادقوا الإيمان فيرون نفاقه في فلتات لسانه ويجزمون به (فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَـحْنِ الْقَول) [محمد: 30].

قبل سنين تزيد عن الثلاثين أقامت منظمة باكستانية في لندن ليلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم دعوا إليها عدداً من الأفراد والمنظمات، وكنت من ضيوف الشرف فيها. جلست أستمع إلى المتحدثين؛ لأن مهمتي كانت أن أختم بالتعليق على ما سمعت. تكلم أحدهم فشممت منه رائحة نتنة (هذا تعبير استعمله الأستاذ سيد قطب ـ عليه رحمة الله ـ حين استمع لأول مرة وفي منزله لكلمات من القصيمي). فلما جاء دوري علقت على كلامه، فكأنما طعنته بسهم في قلبه. وقف محتجاً لكنه أُسكت. فلما انتهت الجلسة جاء يجادلني وحولنا عدد من الشباب، وبدأت الرائحة تزداد نتانة كلما توغلنا في النقاش حتى قال لي في النهاية: ما برهانك على وجود الله؟ قلت: عندي والله برهان لكنني لن أذكره لك؛ لأنك جبان تظاهرت بالإسلام وجئت لتتحدث في ليلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أنك قلت لي منذ البداية إنك ملحد لكنت جادلتك على هذا الأساس. 

الحوار العلني مع العلمانيين من منكري الدين لا فائدة إذن فيه إلا إذا كان القصد منه كشفهم وإحراجهم بإخراج مكنون معتقدهم. أما إذا كان القصد هدايتهم فالأحسن أن يدعوا إلى حوارات خاصة يستطيعون أن يصرحوا فيها بحقيقة ما يعتقدون. لقد جربنا هذا حتى مع الملحدين، وجربه من سبقنا من علماء المسلمين. فشيخ الإسلام ابن تيمية مثلاً يذكر أنه كان يأتيه جماعة من أهل الأهواء ويطلبون منه مجادلتهم بهذه الطريقة، يشترطون عليه أن لا يستند في جداله معهم على النصوص، بل يحاجّهم بالعقل وحده. وعلل الشيخ قبوله لشرطهم بأنهم قوم سلَّموا بأصول ظنوها عقلية؛ فمهما أتيتهم بحجج نقلية تخالفها لم يقتنعوا؛ لأنهم ـ وهم صادقون في إيمانهم بالإسلام ـ ينزهون الله ـ تعالى ـ أن يقول كلاماً مخالفاً للعقل. يرى ابن تيمية أن هذا الاعتقاد بمثابة المرض، فيجب أن تشفيهم منه أولاً بالأدلة العقلية على بطلانه فيتهيؤون بعد ذلك لقبول النصوص. 

فشرط الحوار الثاني إذن أن يستند إلى معايير يؤمن بها الطرفان؛ فإذا كان حواراً بين مؤمنين وملحدين كان المعيار هو العقل والحقائق العلمية المتفق على التسليم بها، وإذا كان بين مؤمنين بوجود الخالق أضيف هذا إلى تلك المعايير، وأضيف إليه أيضاً المحاكمة إلى حقائق دينية يؤمن بها كل من الفريقين. وإذا كان بين منتسبين إلى دين واحد كالإسلام مثلاً كانت المعايير مراجع دينهم الذي به يؤمنون. 

هذا هو الحوار كما يعرفه ويدعو إليه كل العقلاء من المفكرين من أهل الأديان وغير الأديان. لكن بعض الناس في بلادنا يتصور الحوار على غير هذه الصورة العقلانية المثمرة. يراه بعضهم مداهنة، والله ـ تعالى ـ يقول: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون) [القلم: 9]. وكلمة يُدهن كلمة معبرة جداً في تصوير هذا الموقف؛ لأنها مأخوذة من الدهن، فهي عكس الثبات والاستمساك.

يظنون ـ بل يعتقدون ـ أن من شرط الحوار مع الآخر أن تعترف بأنه على حق أيضاً. قال لي أحدهم هذا فقلت له: لِمَ أحاوره إذن؟ ألكي أزحزحه عن الحق وأجره إلى الباطل؟ إنك لا تحاور إنساناً إلا إذا كنت معه مختلفاً. هذا هو الأمر الطبيعي حتى بين المنتسبين إلى الدين الواحد. قال تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59]

فالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنما يكون في حال التنازع؛ أما إذا لم يتنازعوا فلا يحتاجون إلى هذا الرد، بل إن عدم تنازع علماء المسلمين دليل على أنهم على حق. ولذلك استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على حجية الإجماع.

ومن أشكال المداهنة أيضاً اللجوء إلى دعوى نسبية الحق. فخصمك المخالف لك على حق من وجهة نظره، وأنت على حق من وجهة نظرك؛ فلا داعي إذن لأن تخطئه أو تجهله. هذه دعوى باطلة، وهي فوق ذلك مضرة بالمجتمع غاية الضرر. ثم هي بعد ذلك مما لا يمكن لأحد أن يلتزم به. سمعت أحدهم قريباً في ندوة تلفازية يقول إنه إذا قال لي أحد: أريد أن أبين لك الحق، أقول له: لا داعي للحوار إذن. هيأت نفسي للاتصال لأقول له: لكنك أنت الآن بقولك هذا تريد أن تبين لنا ما تراه حقاً بالنسبة للحوار؛ وإلا فلماذا قلت ما قلت؟

وقد وجدت شبهة نسبية الحق هذه مؤثرة حتى في بعض الشباب المتدينين. قال لي أحدهم: إذا كنا نحن نرى أنفسنا على حق فهم أيضاً يرون أنهم على حق. قلت له: وماذا في هذا؟ إن الحق واحد، سواء كان حقاً متعلقاً بدين أو بدنيا؛ لأنه وصف لواقع، ولا يمكن أن يكون الواقع على صفتين متضادتين. فإذا اختلفنا اختلاف تضاد، فيستحيل أن يكون كلانا على حق. هب أن إنساناً قال إنه ما يزال يرى أن الأرض مسطحة وأنت تعتقد أنها مكورة. ماذا تقول له؟ هل تقول له: أنت على حق من وجهة نظرك، وأنا على حق من وجهة نظري؟ إن الاختلاف في الحق لا يعنى نسبيته. إن صاحب الحق لا بد أن يكون لديه دليل على صحة دعواه؛ فمن حقه أن يقول لمخالفه إنني لا أطلب منك إلا أن تكون عاقلاً تخضع للدليل إذا تبين لك. ما أجمل وأصدق ما قال الإمام الشاطبي في موافقاته: الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك. والدليل على ذلك أمور[1].

ومن أشكال المداهنة أن يكون الحوار بين أبناء الوطن الواحد دعوة إلى العلمانية.

كيف؟ يقولون: إذا كنا جميعاً أبناء وطن واحد فيجب أن تكون العلاقة الأساس بيننا هي علاقة المواطنة التي تفترض أن كل مواطن مخلص في حرصه على مصلحة وطنه، وعليه يكون الحوار بيننا حواراً بين مواطنين متساوين؛ لا العلاقة الدينية التي تميز بين المواطنين. وهذه مغالطة سخيفة؛ لأن تصور الإنسان لما يعده مصلحة له أو لبلده تؤثر فيه معتقداته دينية كانت أم غير دينية. فإذا كان المواطن شيوعياً مثلاً فقد يكون مخلصاً في اعتقاده بأن النظام الشيوعي هو الذي يحقق مصلحة بلده، ولذلك يرى أن الذين يقفون في طريق تحقيقها هم أعداء للوطن. وكذلك قل عمن يعتقد في العلمانية الغربية، أو من يعتقد في الإسلام. إنهم جميعاً مواطنون لكن معتقداتهم مختلفة إلى درجة أن ما يراه أحدهم مصلحة في بعض جوانب الحياة يراه الآخر أكبر خطر على الوطن. رأيت أحد إخواننا يستغرب آسفاً لموقف ينم عن شيء من خيانة وقفه بعض العرب من قضية عربية كبيرة، فقلت له: هوِّن عليك ولا تستغربن. إن غزوة بدر الكبرى لم تكن بين عرب ويونان، إنما كانت بين عرب أقحاح أقارب ينتمون إلى أشرف قبيلة عربية، ولم يكن اختلافهم في أن بعضهم كان محباً لوطنه والآخر كاره له، إنما كان الخلاف بينهم في الحق والباطل والخير والشر. وكذلك سيظل إلى يوم القيامة، سواء كان الناس أبناء وطن واحد أو أوطان مختلفة.


مجلة البيان، العدد 190، جمادى الآخرة 1424هـ الموافق أغسطس 2003م

[1]  ص 59 من الجزء الخامس، تحقيق أبي عبيدة، دار ابن عفان، 1417هـ

 

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in العلمانية, المقالات, الموقع بالعربية, توجيهات دعوية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *