الإيمان الشامل

في بريطانيا عالم أحياء مشهور ظل منذ سنين يدعو إلى الإلحاد، وهو من المؤمنين بالدارونية ومن الفئة التي ترى أن الإلحاد نتيجة حتمية لها، وكتب مؤخراً كتاباً كان من أكثر الكتب ذيوعاً في بريطانيا وأمريكا وربما في أوروبا.

وفي جامعة أسكس (Essex) ببريطانيا طلاب مسلمون ينظمون لقاء سنوياً يسمونه (أسبوع الإسلام) يدعون إليه غير المسلمين مع المسلمين لتعريفهم بالإسلام

طلب مني هؤلاء الطلاب مشكورين أن أشارك بورقة في لقائهم الأخير الذي عُقد في فبراير من هذا العام الميلادي 2008م؛ فاستأذنتهم في أن تكون كلمتي نقداً لبعض ما جاء في ذلك الكتاب؛ فوافقوا.

من المسائل التي علَّقت عليها نقده للذين يقولون بضرورة الدين للأخلاق، واستدلاله على ذلك بدراسة أُجريت في أمريكا جمع فيها الباحثون عدداً من الناس من المؤمنين والملحدين وسألوهم عن رأيهم في بعض القضايا التي تحتاج إلى تقويم خُلقي؛ فكانت النتيجة أنه لم يكن هناك فرق بين الطائفتين في تقويمهما

قلت في تعليقي: إن هذا ليس بمستغرب؛ لأن الله تعالى فطر العباد على معرفة الخير وحبه، وأن الدين يأتي موافقاً لهذه الفطرة ومكملاً لها؛ فليس بمستغرب إذن أن تجد إنساناً ملحداً يرحم بعض الناس ويساعدهم، أو يكره الظلم، أو يحب الصدق، وهكذا.

ولولا هذا الميل الفطري إلى الخير لما استطاع إنسان أن يميز بين النبي الصادق ومدَّعي النبوة، ولا بين خصال الخير التي يدعو إليها النبي وخصال الشر التي ينهى عنها.

ما علاقــة الديــن بالأخــلاق إذن؟ قلــت: إن الإيمان بالله يقوي الفطــرة التي هي سبب ذلك الخير ويكملها، فيكون حبها للخير أقــوى والتزامها به أشد.

ثم إن رسالات السماء التي يأتي بهــا الأنبياء تفصِّل للناس كل أنواع الخير التي تتوافق مع فطرتهم والتي تسعد حياتهم، ثم هـناك الجزاء الأخروي؛ فالمؤمـن يعـمل الخـير؛ لأنه يحبـه بفـطرته؛ ولأن الله تعالىبفضله يجزيه على الخير خيراً:

هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ [الرحمن: 06].

ذلك بعض ما قلت في المؤتمر.

لكنني ظللت أفكر في الأمر بعد انتهاء المؤتمر؛ فقلت في نفسي: إن كثيراً من الناس لا يميزون بين التصديق بوجود الخالق والإيمان به مع أنهما أمران مختلفان.

الإيمان أمر زائد على التصديق؛ الإيمان يعني: الثقة بمن تؤمن به والاطمئنان إليه، ولذلك فإننا – معاشر المسلمين – نصـدق بوجـود الشـياطين لكننا لا نؤمن بهم، بل إن الذين يؤمنون بهم هم الكفار الذين، قال اللهتعالى  فيهم على لسان ملائكته:  بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْـجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (سبأ: 14)

والشيطان من أكثر المخلوقات تصديقاً بوجود الخالق، لكنه ليس مؤمناً به بدليل اعتراضه على أمر ربه له بالسجود لآدم.

التصديق بوجود الخالق هو الخطوة الأولى، لكنها خطوة تقتـضي خطـوات أخـرى لا يخـطـوها كثـيـر مـن الـنـاس ولا يلتزمون بلوازمها، وهذا هو السر في كونهم معدودين في كتاب الله من الكفار رغم تصديقهم بوجود الخالق.

إن التصــديق بوجود الخالق يقتضي من المصدِّق أن يعبده ولا يعبد أحـداً سواه؛ لأن العبادة إنما هي في جوهرها تعبيــر عن الشكر، فإذا أقرَّ الإنسان بأن الله هو الخالق لكل شيء لزمه أن يعتــقد بأنه هو وحده المستحق لأن يُعبَد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 12 – 22].

هذا الإيمان بالله يقتضي الإيمان برسالاته؛ لأن الذي آمن بربه وعرفه يعرف أنه لا يمكن أن يفعـل شـيئاً عـبثاً؛ فلا يمكن إذن أن يخلق عباداً ثم لا يهديهم إلى ما هو خير لهم.

كيف يمدُّهم الله تعالى بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم البدنية ثم لا يمدُّهم بما يحتاجون إليه في حياتهم الروحية؟! ولذلك قالتعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ (الأنعام: 19)

والإيمان بالرسالات يقتضي الإيمان بالرسل كلهم؛ لأنه لا تكون رسالة إلا برسول، كما يقتضي الإيمان بالملائكة الذين يحملون هذه الرسالات إلى الرسل.

والإيمان برسالات الله وكتبــه وملائكتـه، وبأنه هو خالق السماوات والأرض، وبأنهتعالى منزَّه عن العبث؛ يقتضي الإيمان بالدار الآخرة التي يجد فيها المحسن جزاء إحسانه والمسيء جزاء سيئاته، قالتعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 511].

وقال سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 191].

وقال سبحانه: أَفَنَجْعَلُ الْـمُسْلِمِينَ كَالْـمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (القلم: 53 – 6)

والتصديق بكون الله تعالى هو الخالق يقتضي الإيمان بأنه هو الذي يقدِّر المقادير ويعلم ما سيكون وهذا هو معنى الإيمان بالقدر.

فما نسميه أركان الإيمان ليس هو إذن حقائق منفصل بعضها عن بعض، وإنما هي كلها من مقتضيات التصديق بأن الله تعالى هو الرب الخالق الذي لا رب سواه؛ فهي إذن جـزء مـن الإيـمان بـه تعالى ؛ فلا يكـون الإنسان مـؤمـناً به – سبحانه – إذا هو أنكر شيئاً منها، ولا تكون الثمرات العملية للإيمان بالله كاملة إلا لمن آمن بهذه الأركان كلها التي هي من لوازم الإيمان بالله تعالى.

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين أن بعض هذه الأركان يقتضي بعضاً، وأن ثمراتها إنما تكون بالإيمان بها كلها.

من ذلك قوله سبحانه  في الآية المشهورة: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ (البقرة: 177) فذكر في أولها أركان الإيمان: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْـمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (البقرة: 177)

ثم بــيَّن بعـد ذلك الثمــرات العمـلية لهذا الإيمان، فـقـالسبحانه:

وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ (البقرة: 177)

وكما أن هذه الحقائق هي أركان الإيمان ولازمة عنه، وكما أن تلك الأعمال الصالحة هي من ثمراتها؛ فإن بعضها يقتضي الإيمان ببعض ويقتضي فعل بعض الحسنات.

فالإيمان بالدار الآخرة يلزم عنه الإيمان بالرسالة كما قــالتعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (لأنعام: 29)

هذه الحقائق التي ذكرناها مهمة جداً في عصر تكاثر فيه – بحمد الله – الدعاة إلى الإسلام، واشتدت فيه الرغبة في معرفته من غير المؤمنين به بدوافع حسنة أحياناً وسيئة أحياناً أخرى.

إن واجبنا هو أن نبين هذا التصور الإسلامي للإيـمان وإلا فــلا نكـون قـد بلغــنا رسالـة ربـنا.

يجـب أن لا ننساق وراء مخالفــينا في هـذه القضــية الأساس فنظـهر لهـم أن ما يسمونه إيماناً بالله هو بعينه الذي نسميه نحن إيماناً، وأننا لذلك نكون جبهة واحدة ضد الملحدين؛ لأن كثيراً مما يسمونه إيماناً لا يكاد يوجد فرق عملي بينه وبين الإلحاد.

لكننا نقول مع ذلك: إنه ما دام التصديق بوجود الخالق شرطاً ضرورياً للإيمان الذي ذكرناه؛ فإن المصدِّق يكون أقرب إليه من الملحد المكذب.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

ذو القعدة  1429 الموافق نوفمبر 2008

FacebookGoogle+Share
This entry was posted in الإسلام والمفاهيم المعاصرة, المقالات, الموقع بالعربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *